عندما تشعر بالاختناق في حياة تبدو مثالية من الخارج

في لحظات الهدوء، قد يواجه الإنسان أفكارًا تتسلل إلى ذهنه، تثير التساؤلات حول مسار حياته. لا تكون هذه الأفكار دائمًا واضحة أو صريحة، بل تتجلى في ألف إشعار صغير يثير القلق. واجهت هذا الشعور ذات صباح بينما كنت أجلس مع فنجان قهوتي؛ أدركت أن ما أعيشه ليس ما أرغب به لبقية حياتي. لم يكن هناك حدث محوري يشير إلى ضرورة التغيير، بل كنت أتمنى لو كان ثمة شيء ملموس يمكنني الإشارة إليه. لم يُخدِعني زوجي أو تعرضت لإساءة، وكانت حياتي من منظور الآخرين تعتبر مستقرة وناجحة. لكنني شعرت بتغيّر داخلي.
بدأت الأعراض بالظهور كإرهاق هادئ، لم تشفه ساعات النوم العديدة، بل حُدِدت بتجربة عيش حياة لم أعد أشعر بأنها تناسبني. كنت أستيقظ متعبًا وأذهب إلى النوم بنفس الحالة، فإذا نظرنا إلى يومي، حتى في الأوقات التي كانت تسير فيها الأمور على ما يرام، كان كل شيء يبدو ثقيلاً ومُرهقًا.
تكررت في ذهني تلك الفكرة: “لا يمكن أن تكون حياتي بهذا الشكل”. كانت تعود إلي في لحظات عفوية، حتى أثناء طي الملابس أو القيادة. في كل مرة تطرأ فيها، كنت أنكر مشاعري، مُذكرًا نفسي بمزايا حياتي. لكن تلك الفكرة لم تختفِ. كان قراري بدلًا عن ذلك أن أبحث عن حلول، فقمت بقراءة كتب التنمية الذاتية، واستماع لتسجيلات صوتية، وسألت الأصدقاء عن نصائحهم. معظمهم أكدوا لي: إذا كنتِ غير سعيدة، فالأجدر بكِ المغادرة. ولكنني، رغم تلك النصائح، كنت خائفة من النتائج المحتملة.
لأن حياتي كانت تبدو جيدة من الخارج، كانت مقاومتي لفكرتي الداخلية قوية. تساءلت: “لماذا لا أستطيع أن أكون سعيدة؟” لم أكن أبحث عن إجابة لأنني لم أكن أعلم، بل لأنني خفت من أن تكون الإجابة هي ما كنت أدركه بالفعل. شعرت كأني فتحت شيئًا لا يُمكن إغلاقه، وكلما حاولت الإغلاق عليه، كان الأمر يصبح أصعب. كنت أعيش حياةً تتناسب مع مَن كنتُ سابقًا، لكنني لم أعد تلك الشخصية.
أدركت شيئًا مُربكًا، وهو أن اعترافي بمشاعري قد يعني تغييرًا جذريًا في كل شيء. كنت قد بنيت حياتي حول الالتزام والولاء، لذا كانت فكرة عدم معرفتي بما يمكن أن يكون عليه مستقبلي مستفزة. لكنني كنت مستعدة لفعل شيء حيال ما كنت أعلمه في أعماقي. بعد مناقشة مع زميلة لي، اتصلت بمعالجة وقررت زيارة ممارسٍ صحي؛ كانت تلك المكالمة خطوة فارقة في حياتي.
خلال جلسة العلاج الأولى، فهمت أنني كنت بعيدة عن مشاعري. لم يكن التعب الذي شعرت به نتيجة الضغوط فحسب، بل كان مؤشراً على سنوات من تجاهل تجربتي الحياتية. بدأت أواجه صعوبة في ت articulating مشاعري، لكنني بدأت بالتواصل مع تلك المشاعر. وبعد فترة، أدركت أن جزءاً مني كان يحاول حمايتي.
مع مرور الوقت، بدأت استعادة صوتي الداخلي وتوجيه اختياراتي بوعي. بعد بضع سنوات، تبدلت حياتي تمامًا. انفصلت عن زوجي وجددنا صداقتنا، وتركت عملي في الشركة وبدأت مسيرتي الخاصة. وكل ذلك بدءًا من فكرة حاولت جاهدة إنكارها.
اليوم، أفهم أن الحياة التي يصعب تركها ليست دائمًا الأسوأ، بل قد تكون تلك التي تبدو جيدة. هناك أوقات يسهل فيها وصف رغبة التغيير بأنها أنانية، لكن هذه الأصوات يمكن أن تدعونا للاعتراف بأن شيئًا لم يعد مناسبًا لنا، وهذا غالبًا ما يكون بداية التغيير.



