تنمية بشرية

النمو بدون أسرة: من البقاء على قيد الحياة إلى الازدهار

بدأت حياتي في أسرة فقيرة، حيث تركني أحد الوالدين عندما كنت صغيرًا جدًا، ولم أعد أراه أو أسمع عنه مرة أخرى، بينما بقي الآخر، لكنه أوضح لي بشكل جلي أنني غير مرغوب فيه وأن وجودي قد دمر حياته.

لسبب ما، لم أتلق أي اتصال من والديّ، أو من أجدادي، وكنت أعيش دون أي نوع من وسائل الأمان العملية أو العاطفية. لم يكن لدي أحد أستند إليه، مما زاد من شعوري بأنني مسؤول عن نفسي للبقاء.

كان ذلك يجعلني، كطفل مهجور، مستقلًا وقويًا، مع هدف واضح وهو الهروب وبناء حياة خاصة بي، لكن لم يكن بإمكاني المخاطرة أو التركيز على الدراسة بسبب عدم وجود شبكة أمان.

خلال امتحانات المدرسة، كنت أعمل بدوام كامل في العطلات ودوام جزئي خلال فترة الدراسة. كنت أشعر بالإرهاق أثناء الامتحانات ولم يكن لدي وقت كافٍ لمراجعة الدروس. أثناء دراستي الجامعية، كنت أعمل تقريبًا بدوام كامل لتأمين سكني، معتمدًا على الديون.

كنت أحتفظ بكل ما حدث في المنزل لنفسي. لم أكن أستطيع التحدث عن ذلك، ولم يعرف أحد. كان جميع أصدقائي لديهم والدين، ولم يستطيعوا فهم حياتي أو تقديم الدعم. في تلك الأيام، لم يكن المعلمون والبالغون على دراية كافية، ولم يسألني أحد عن حياتي العائلية أو يقدم لي الدعم العاطفي.

بسبب مسؤوليتي المالية عن نفسي، تعلمت budgeting بجدية. وعندما بدأت مسيرتي المهنية في أوائل العشرينات، تقدمت أكثر من أقراني الذين كانوا يتعلمون عن عالم العمل بعد التخرج. كنت قد خضت التجربة لسنوات.

مع تقدمي في مرحلة البلوغ، وعند انخراطي في عالم مهن الطبقة المتوسطة، كان أصدقائي يفترضون أنني مثلهم، ويتحدثون عن الأفراد من الأسر ذات الوالد الواحد أو الأسر المفككة على أنهم من الذين لن يحققوا النجاح. لم يكن ذلك موضوعًا أتناقش فيه بسهولة، إذ لا يأتي الحديث عن الوضع العائلي بشكل طبيعي. الناس عادة ما يكونون محرجين في ردودهم وقد يقولون أشياء تزيد من شعورك بالسوء.

لا توجد أداة شائعة لدعم شخص تعرض للإساءة أو الهجر، وهذا الموضوع لم يبدأ بالظهور بشكل مكثف في النقاشات الاجتماعية إلا مؤخرًا. لذا لم أكن أعرف كيف أتحدث عن نفسي بطريقة أصيلة في سياق عائلتي.

على مدار اليوم في العمل أو في المناسبات الاجتماعية، وعند الاحتفالات مثل عيد الميلاد أو عيد الأم أو الأب، يتحدث الناس عن عائلاتهم الأصلية ويفترضون أن الآخرين لديهم نفس الأمر. كان ذلك هو الطبيعي بالنسبة لمعظمهم، وواجهوا صعوبة في دعم من يعاني من واقع مختلف.

قبل بضع سنوات، أدركت أن العديد من أصدقائي لا يعرفون عن ظروفي، مما جعلني أشعر بعدم الفهم وأن جزءًا أساسيًا من شخصيتي غير مرئي.

كتبت عن فترات النضج بعد أن قررت إنشاء عائلتي الجديدة من الأصدقاء الذين التقيت بهم خلال الدراسة أو العمل، لأنني كنت بحاجة إلى وجود أشخاص من حولي. بعد سنوات، فهمت أن جميع علاقاتي تأثرت بنشأتي شعورًا بعدم الرغبة والحب. لم أكن انتقائيًا بشأن من يدخل حياتي، ولم أفهم أن لدي احتياجاتي في العلاقات.

هذا أدى إلى صداقات وعلاقات رومانسية كانت، في أفضل حالاتها، غير متوافقة، وفي أسوأها، مسيئة. وعندما كانت العطلات تأتي، كان أفراد عائلتي من الأصدقاء يختفون ليكونوا مع عائلاتهم الحقيقية، لذا لم أكن قد ملأت الفراغ في حياتي، على الرغم من جهودي.

كنت أحاول صرف انتباهي عن ألم عدم وجود عائلة عبر تطوير علاقات جديدة. من خلال العلاج، أدركت أن المفتاح هو تعلم كيفية العيش مع الفراغ الذي لم أحظَ به، ومعالجة تجربتي ومواجهة الألم بشكل حقيقي.

أصبح إعادة الاتصال بنفسي، خصوصًا بطفلتي الداخلية، مفتاحًا للتعافي. كان من المهم أن أوجه الطاقة التي كنت أضيعها في إرضاء الآخرين نحو داخلي، لتعلم كيفية التعامل مع خسارتي وتحسين خياراتي.

عالجتني معالجة رائعة بمساعدتي على فهم أنني كنت أعيش مع شكل من أشكال الحزن. شرحت لي أن “الحزن هو التعلق بشيء غير موجود.” الآن، أتعامل مع الفراغ والألم، وأعبر عن الشعور بالخسارة والهجر، معترفًا بذلك كجزء من قصتي.

على الرغم من أن الألم لن يغادر بالكامل، إلا أنني الآن أتخذ قرارات من مكان مرتبط بنفسي، مما أدى إلى علاقات أكثر إرضاءً وطاقة أكبر لأضعها في أنشطة ذات مغزى.

تعني النشأة بدون شبكة أمان التركيز على البقاء. خلال طفولتي، عملت بجد للوصول إلى مكان آمن ومستقر مع استقلاليتي الخاصة. بسبب تلك الجهود وما كنت أتحمله، كنت مرهقًا. لكن مع دخولي مرحلة البلوغ، واصلت العمل نحو بناء حياة آمنة خاصة بي.

عند منتصف الثلاثينيات، كانت لدي الأساسيات: منزل آمن، أمان مالي، وبعض الأشخاص الجيدين في حياتي. ومع ذلك، بدأ يتسرب إلي الإحساس بأنني كنت أتخيل وأخطط لأشياء سيئة لن تحدث أبدًا، وكنت دائمًا في حالة تأهب أثناء المواقف العادية، مما سبب لي إجهادًا مستمرًا.

مازلت أعمل في وضعية البقاء عندما لم أكن بحاجة لذلك. لم يكن جسدي وعقلي قد استوعبا الواقع بأنني أخيرًا في أمان. كنت بحاجة إلى تعلم العيش، وليس فقط البقاء.

يعتقد البعض أن التعافي من الصدمة يعني العودة إلى الذات، لكن عندما تعايشت تلك الصدمة منذ الطفولة، لم تكن لديك الفرصة لمعرفة من تكون. من سأكون إذا لم أكن في وضعية البقاء؟ كان يجب أن أكتشف جوهر نفسي وأن أتعلم كيفية العيش ببساطة.

كان إدراكي لذلك هو الخطوة الأولى. كنت محظوظة بوجود معالجين رائعين، وعلاج EMDR الكامل لمعالجة الأمور وتنشيط مسارات جديدة في عقلي، والعلاج الجماعي الذي تعلمت فيه من الآخرين، وعلاجات أخرى.

عندما كنت في مرحلة العلاج، وطلب مني تخيل ما كان يمكن أن يساعدني كطفل خلال تجربة صعبة مررت بها، بعدما فكرت أولاً في تغيير ما يحدث لي ووجود شخص للتدخل، تخيلت أنني أعطي نفسي الفتات الداخلية عناقًا. هذا ما كنت بحاجة إليه في تلك اللحظة، وفي كثير من اللحظات الأخرى.

منذ ذلك الحين، حاولت التركيز على احتياجاتي ورعاية نفسي، مما ساهم في تحولي من مجرد البقاء إلى الازدهار.

لم يكن الأمر سهلاً أو فوريًا، ولكن بعد فترة من الخروج إلى العالم بعد العلاج، لاحظت أن لدي طاقة وفيرة. شعرت كأنني كنت أحمل وزنًا ثقيلًا طوال حياتي، لكنني الآن أشعر بالخفة في أنشطتي اليومية.

تمكنت من التعرف على العلاقات غير الصحية والابتعاد عنها، مما قلل من التفاعلات السلبية وزاد من التفاعلات الإيجابية.

وجهت هذه الطاقة نحو أنشطة مغذية وذات مغزى في أوقات فراغي، مثل التطوع والبحث والانخراط في الهوايات النشطة. بدورها، ساهمت تلك الأنشطة في منحني الطاقة لتكوين اتصال بأقصى إمكانياتي. أصبحت نفسي، قادرة على الازدهار وليس فقط البقاء ضحية لظروفي.

إذا كنت تتنقل أيضًا في الحياة دون عائلة تقليدية، اعلم أنك تعيش مع نوع من الحزن قليل الفهم، وبغض النظر عن مدة استمرار ذلك، فلا يزال من الممكن أن تعيش حياة محبة وآمنة وملؤها السعادة.

الخطوة الأولى هي فهم ومعالجة ما حدث لك، حتى تستطيع منح نفسك الرعاية والاهتمام اللذين تحتاجهما. هذا ما سيمنحك القوة والقدرة على الازدهار.

المصدر:

Growing Up Without a Family: From Survival Mode to Thriving

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى