تنمية بشرية

التغلب على العوائق الذاتية: لماذا تبدو الأمور الجيدة كفخ؟

عندما نتجاهل الأفكار المخبأة في أعماقنا، تصبح هي المسيطرة على مسار حياتنا، وسنعتبرها القدر. كنت جالسًا في مكتب المعالج النفسي عندما طرحت علي سؤالًا جعلني أتجمد. سألت: “هل تستطيع أن تخبرني عن آخر مرة حدث فيها شيء جيد في حياتك؟” فتحت فمي للرد ثم توقفت. لم يكن ذهني خاليًا لأنه لم يحدث شيء جيد، بل لأنني لم أستطع تذكر اللحظة التي سمحت فيها لنفسي بالاستمتاع بأي من تلك الأحداث. انتظرت المعالجة بصمت طويل، ولعلّ ذلك الصمت كان ثقيلاً. في النهاية، قلت: “لقد حصلت على ترقية قبل ثلاثة أشهر.” سألت: “وكيف كان شعورك حيال ذلك؟” أجبته: “في الواقع كان الأمر مخيفًا. قضيت الأسبوع الأول أعتقد أنهم أخطأوا. وفي الأسبوع الثاني كنت أتساءل متى سيكتشفون ذلك. وبحلول الأسبوع الثالث، بدأت أؤخر الوصول إلى الاجتماعات.”

عندما نظرت إلى الوراء، أدركت أنني كنت أ sabotaging نفسي، دون أن أدرك ذلك. لطالما اعتقدت أن تدمير الذات يظهر بوضوح، كأن أترك عملًا بشكل دراماتيكي أو أن أؤذي علاقةً ما. لكن الأمر كان أكثر هدوءًا؛ كان يتجلى في ترددي عندما كان من المفترض أن أحتفل، وفي التفكير المفرط في قرارات اتخذتها بالفعل، والابتعاد في اللحظات التي بدأت أشعر فيها بالراحة.

كان لدي شخص أقابله منذ أشهر، وكانت الأمور تسير بسلاسة. كنا نضحك كثيرًا، بدون دراما أو إشارات مقلقة. لكنني بدأت أبحث عن مشاكل. كنت أفسر رسائله بشكل مفرط وأفكر في لماذا استغرق وقتًا للرد. وفي إحدى الليالي، بعد عشاء رائع، افتعلت مشكلة بسبب شيء تافه لا أستطيع حتى تذكره. نظر إليّ باستغراب وسأل: “من أين جاءت هذه المشاعر؟” لم أكن أعرف. فقط كنت أشعر أن الهدوء ليس في محله، وكأنني كنت أنتظر اللحظة التي ستهتز فيها الأمور، فإذا كان الأمر كذلك، لماذا لا أواجه ذلك بنفسي؟

بدأت ألاحظ هذا النمط في مجالات عدة في حياتي. صديقتي دعتني للانضمام إلى نادي الكتاب، وكنت متحمسة في البداية، لكنني قضيت أسبوعين أقنع نفسي بأنني قلت شيئًا غير مناسب في محادثة المجموعة وأن الجميع لا يرغب في وجودي. توقفت عن الحضور بعد الاجتماع الثاني. كنت أبدأ مشاريع جديدة بكثير من الحماس، مثل روتين رياضي جديد، أو هواية إبداعية، لكن بعد أسابيع قليلة أتوقف. ليس لأنني لم أستمتع بها، بل لأن شيئًا بداخلي يهمس لي: “لن يدوم هذا. لا تتعلق.”

لم أكن أشعر في تلك اللحظات أنني أُوقّف نفسي. بل كنت أعتبر ما أشعر به نوعًا من الواقعية: “أنا أحمي نفسي من خيبة الأمل.” لكنني كنت أستخدم الحدس كمبرر للابتعاد عن أي شيء جديد.

عندما كنت أتحدث مع صديقتي المفضلة، كنت أشتكي من شعوري بالعجز والقلق وكيف أن الحياة لا تسير كما أريد. سألتني: “هل تذكرين الفرصة المستقلة التي حصلتِ عليها السنة الماضية؟” تذكرتُ، وكان مشروعًا حلمتُ به. لكنني رفضته بحجة ضيق الوقت، رغم أنني كنت قد خصصت ذلك الشهر لفرص جديدة. وعندما اعتبرت أن العلاقة التي كنت فيها لم تكن مريحة، لم يتبقَ الكثير لأتمسك به.

عدت إلى التفكير في الأمر. لماذا كنت أ sabotaging الأشياء التي كنت أرغب بها؟ الإجابة كانت بسيطة ولكن محبطة: كل الأشياء الجيدة كانت تبدو غريبة، والغريب لم يكن آمنًا بالنسبة لي. قضيت وقتًا طويلًا في أنماط من التوتر والقلق حتى أصبحت تلك الأوضاع طبيعتي.

أدركت أنني كنت أتجنب الأفعال الصغيرة لأنني كنت أعتقد أنني بحاجة إلى مزيد من التحضير والاستعداد. كنت أقضي ساعات في التفكير في اختيارات بسيطة، ثم أشعر بالإرهاق من ذلك التفكير وأستسلم. كما كنت أبتعد كلما شعرت بالأمان، أخلق مسافات في العلاقات، وأجد مشاكل حيث لا توجد.

حتى حدث تحول. لم يكن هناك شعور فجائي بطلب من نفسي ألا أقاتل، بل بدأت بالملاحظة. لاحظت اللحظات التي أردت فيها الانسحاب. لم أكن أحكم عليها أو أسرع في إصلاحها، بل فقط اتعرفت عليها. بتلك الوعي، كان لدي مساحة لاختيار مختلف. لم يكن ذلك دائماً، لكن في بعض الأحيان.

أيضًا، بدأت أن أغيّر نظرتي تجاه عدم الارتياح. تعلمت أن ذلك قد يعني مجرد مواجهة الجدد، وأن الجديد ليس بالضرورة سيئًا. بدأت باتخاذ خطوات صغيرة، بدلاً من التفكير في تغيير حياتي بالكامل. فكل خطوة صغيرة بدأت تعزز ثقتي بنفسي مع مرور الوقت.

وفي الوقت الحاضر، لا تزال تنجذبني تلك الرغبة القديمة في التراجع، لكنني أتعرف على النمط والغرابة فيه. وإذا كنت تجد نفسك في هذه المواقف، تذكر أنك لست معطلًا أو تنقصك الإرادة. بل ربما تكون مجرد خائف، وهذا إنساني.

التغيير الحقيقي ليس دائمًا في فعل المزيد، بل في التعلم كيف نتجنب الوقوف في طريقنا وأن ندع الأشياء الجيدة تبقى جيدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى