تنمية بشرية

البقاء إيجابيًا في عالم يبدو مظلمًا

تُعَدّ اللحظات الخاصة جزءًا مهمًا من ذكريات الطفولة، إذ كنت أشعر بحزن عميق عندما تنطفئ الأضواء الصوديم في المساء، مُركِّزةً جمالية المشهد في عالمٍ أصفر موحد. ذات يوم، سألني والدي عن سبب صمتي في تلك الليالي. لم أتمكن من التعبير عن مشاعري، فكيف لم يشعر هو بما أشعر به؟ كانت الأمسية قد بدأت فقط، وكان كل شيء حولي يكتسي طابعًا جليديًا. قال لي والدي: “دعنا نذهب لتناول الآيس كريم في القرية”. جلست على دراجته، ومرت الألوان من حولي في عالم من الصمت. وصلنا إلى المتجر قبل الإغلاق بقليل، وقبل أن نخرج، وقفنا تحت إحدى الأضواء، وهو يستمتع بآيس كريم مزين. قلت في نفسي إن تلك اللحظة كانت تأكيدًا على أننا نتشارك نفس المشاعر، وأننا نواجه صعوبات الحياة سويًا.

الآن، في الثلاثين من عمري، مرت عشر سنوات منذ فقدت والدي بسبب مرض السرطان. بعد تأمل في تجاربي، شعرت أن بلوغ سن النضج يشبه تلك اللحظات المليئة بالأضواء الخافتة: فكلما تقدم الزمن، يتلاشى الألوان من الحياة. الانكسارات، القرارات الخاطئة، الأحلام المفقودة، والكلمات غير المنطوقة تلاحقنا جميعًا. يبقى الوقت محفورًا فينا بطرق مختلفة، ولذلك، نتساءل كيف يمكننا التعامل مع هذه الحقيقة؟ كيف يمكننا الاحتفاظ بالألوان، وتجنب الشعور بالمرارة، والبقاء خفيفي الظل مثل الأطفال؟

من خلال تجاربي، لاحظت أن الناس يتعاملون مع الواقع بطرق متعددة: البعض يتشبث بمهن معينة، أو يوجه مشاعرهم نحو الشركاء، أو يلجؤون إلى حكماء، بينما آخرون يختارون أن يصبحوا شاحبين. وقد اخترت أن أكون من فريق الذين يسعون للحفاظ على خفة الروح في رحلة الحياة. في العشرينيات من عمري، انغمست في جوانب مختلفة من الحياة، مثل الفلسفة، والفنون، ورفع الأثقال، والتجارة، والسفر، والكتابة السينمائية. شعرت أن انشغالي بكل هذه الأنشطة يساعدني على تجنب الشعور بالمرارة، وبدا لي أن السعي لإيجاد إجابات ذات معنى يبرر الكثير من المعاناة.

ذكرتني إحدى معلماتي في المدرسة الفنية أن كونك رومانسيًا في هذا العالم يعد من أصعب الأمور. لم أفهم تمامًا ما تقصده حينها، لكن مع مرور الوقت أصبح كلامها واضحًا. ورغم اللحظات الجيدة التي عشتها، كانت تتكرر في ذهني التساؤلات حول كيفية الحفاظ على الخفة في القلب وسط الأعباء الثقيلة التي خلفها الماضي. ومع اكتشافاتي، كانت النتائج تبدو أكثر قتامة. بدأت تلك الأضواء المضيئة تتحول إلى ظاهرة دائمة في حياتي، ولم تعد الألوان تتجدد عند شروق الشمس.

خلال فترة شعوري بالضياع، قابلت امرأة كانت مليئة بالحيوية والبهجة. كانت تشرب أنواع شاي غير تقليدية وتعيش اللحظة بكل خفة. في حديثنا، لاحظت أنها تتعامل مع الحياة من منظور إيجابي، وتختار أن تكون مبتسمة رغم الأعباء. أدركت حينها أنني كنت أبحث عن إجابات أكثر من بحثي عن الأسئلة.

عندما واجهت المجهول، شعرت ببساطة أنه صديق الطفولة الذي يصبح عدوًا عند النضوج، محملًا الخسارة واليأس. لكنني اكتشفت في أعماقي أنني لا أملك ما أخسره، وبالتالي، يمكنني الذهاب في أي اتجاه أريد. عشت تجربة فريدة عندما سافرت مع حبيبتي على طول طريق سانتياغو بشكل عكسي، بحثًا عن معنى “احتضان المجهول”. ومع مرور الوقت، بدأت أشعر بالخفة والحرية، وخرجت من ظلامي الداخلي إلى مناطق جديدة من الحياة.

عندما تعرفت على والدي من خلال قصص الآخرين، أدركت أنه كان يكافح من أجل وجوده بنفس القدر الذي عانيته. لكنني لم أكن أستطيع رؤية ذلك في طفولتي. ومع ذلك، في تلك الليلة تحديدًا، كان يعرف ما أمر به ولم يسعَ لإصلاحه أو تفسيره. ببساطة، جلبني إلى متجر الآيس كريم.

إنني أتذكر تلك اللحظة كثيرًا الآن، لا لكون الآيس كريم في حد ذاته، بل للاختيار الذي اتخذه والدي بعدم السماح للوحات الرمادية أن تفوز في حياتنا. لم يحارب الأضواء أو يتظاهر بعدم وجود عالم يفتقد للألوان، بل قرر أن يستمتع بلحظات صغيرة من الحياة مثل الآيس كريم مع الزينة.

ومؤخراً، في باناما، جلست مع حبيبتي في ضوء الشمس، تأملت جمال ما حولي وأدركت أنني أعيش نفس لحظة والدي. لم أكن فوق العالم أو ضده، بل كنت وسطه، أستمتع بحرية الوجود مع من أحب، متخليًا عن رهبة المجهول ومؤمنة بأن الحياة تحتفظ دائمًا بالإمكانيات والمفاجآت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى