تنمية بشرية

أصبح الشعور بالمسؤولية في العائلة عائقًا بدلًا من قوة شخصية

واجهتني فترة صعبة بعد وفاة جدتي، حيث كنت أقف برفقة أختي في المصعد بعد مغادرتنا الغرفة التي كانت تتواجد فيها. عندما أغلقت الأبواب، نظرت إليّ أختي وقالت: “أنت الآن آخر الشخصيات القوية في هذه العائلة.” كانت كلماتها مريحة، وشعرت بفخر في البداية، لكن ذلك الفخر سرعان ما انقلب إلى إحساس بالقلق. كانت حقيقة ما أخبرتني به تتردد في أعماقي، فقد كنت أدرك آنذاك أنني أريد الهروب، ولكنني لم أكن أعرف كيف.

إن فهم السبب وراء تأثير كلماتها يتطلب العودة إلى لحظة سابقة. كان عمري ست سنوات تقريباً، وأنا واقفة أمام باب غرفة أمي، التي عادت تواً من المستشفى النفسي. كنت أترقب لحظة عودتها وأحلم بتواصلنا وعودة حياتنا إلى طبيعتها، رغم أنني كنت قد نسيت بالفعل كيف يبدو ذلك. لكن بمجرد أن عادت وأغلقت الباب، كنت أسمع صوت آلة كاتبة، كانت تكتب رواية. طرقت الباب بأدب، لكنني كنت قد تعلمت في ذلك الوقت أن أكون مهذبة مع احتياجاتي. جاء الرد سريعًا: “لا، لا تزعجيني.” كانت نبرة صوتها تعرفت عليها من قبل، حين كانت تخبرني بأنني “أكثر مما تحتمل.”

آثرت الانسحاب. لا أتذكر أنني شعرت بالغضب، بل شعرت بالفهم، وبأن إغلاق الباب كان أمرًا منطقياً. كانت تلك اللحظة بمثابة الخطة التي توضح مسار حياتي التالية. كانت غياب أمي، رغم تواجدها الجسدي، قد بدأ قبل ذلك بكثير. كنت أذكر الانتظار لمجرد أن تأخذني في حضنها وتخصص لي بعض الوقت. كانت تجادلني حول مشاعري وتخبرني أنني “أكثر من طاقتها”، بينما كنت أرى علامات انهيارها.

عندما كانت أمي بحاجة إلى العلاج، تم إدخالها إلى المستشفى. في تلك الأثناء، انتقلت للعيش مع جدي وجدتي، مما جعلني أشعر بأنني وحيدة. عندما عادت، كنت أود أن أصدق أن الأمور ستتغير. ومع ذلك، أخبرتني الأبواب المغلقة بأنها لم تتغير، لذا قررت أن أكون نفعًا للجميع من خلال العناية بأختي الصغيرة وترتيب الأجواء في المنزل.

ومع مرور الزمن، وبسبب مشاركتي في الحياة كداعم للآخرين، انخرطت في مجالات عدة، عملت كممثلة لمدة عقدين، وأكملت دراستي وحصلت على درجة الدكتوراه، وبدأت مسيرة جديدة في الجامعة، وتزوجت وأنجبت طفلين. كان يبدو أن حياتي مثالية من الخارج، ولكنني كنت أستجيب لكل نداء، وأظهر دائمًا عند الحاجة، حتى لو كان ذلك يأتي على حسابي.

مع مرور السنين، واجهت أختي صعوبات، وعندما احتاجتني، كان بإمكاني فقط أن أكون موجودة. لكن جسدي في تلك اللحظة بدأ بالإشارة إلى ما كنت أحتاجه: “ليست اليوم.” شعرت بشيء من الراحة لأول مرة.

التحول الحقيقي جاء خلال إجازة عندما اتصلت بي والدتي تطلب مساعدتي. وعندما حاولت الاعتذار، أدركت أنني لم أعد بحاجة لتقديم نفسي كما كنت من قبل. عندها، أظهرت القناعة بأنني لست ملزمة بعد اليوم بعبء العناية الدائمة بها. شعرت بارتياح جديد، وبدأت أفهم أن القوة لم تكن مجرد عبء، بل كانت أيضًا خياري.

اليوم، أدركت أن بإمكاني أن أكون موجودة مع من أحب دون أن أتحمل عبء تصحيح كل شيء. لقد تعلمت أن الثقة بأنهم قادرون على التغلب على مصاعبهم دون الحاجة إلى إنقاذي. ومع هذا التغيير، أصبحت هناك مساحة لي لأُسأل عن حالتي، ولأتمكن من الإجابة حقًا، لأول مرة.

القرارات التي اتخذتها عندما كنت صغيرة لم تكن خاطئة، بل كانت الأفضل بالنسبة لي في تلك اللحظة. ولكني الآن أدرك أنني لست مجرد “القوية”، بل أيضًا تلك التي يمكنها أن تُحتضن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى