تنمية بشرية

أفتقد الشخص الذي كنت عليه معها، لا أفتقد علاقتنا

الحنين هو شعور يعيد تشكيل الذكريات في عقولنا، ويخفف من الأثر القاسي للأيام السابقة. لم أفتقد زينيا كما أفقدت النسخة التي صورتها في مخيلتي. زينيا الحقيقية كانت تتشاجر معي لأسباب كانت تبدو أكبر مما ينبغي. قالت أشياء كنت أعدها غير قابلة للمسامحة، وكانت غير مناسبة لي بطرق حاولت تجاهلها. ومن ثم، قمت بإقصاء كل هذه التفاصيل مع الوقت، محتفظًا فقط بالضحك، والتواصل العميق، وفهمها لطرائف فيّ دون الحاجة إلى توضيح. كانت تندمج في أحاديثنا حتى فجر اليوم، ولم أشعر بتوقفها.

بمرور السنوات، أضعت نسخة من زينيا. كنت أفتقدها كما لو كنت فقدتها، لكنها في الواقع لم تفقد، بل كانت نتاج خيالي. الذكريات لا تحفظ الأشياء؛ بل تعيد كتابتها. كلما فكرت في زينيا، لم أكن أتذكرها، بل كنت أعيد رسمها. وكل مرة كنت أُعيد رسمها، تتلاشى التفاصيل غير الجيدة أكثر فأكثر. ومع مرور الوقت، ما بقي لديك لم يعد ذكريات حقيقية، بل كانت لوحة مزجتها بعناية، صادفت فيها صورًا مغرية ومعظمها لم يكن صحيحًا. زينيا في ذهني لم تتشاجر معي، ولم تقل شيئًا غير لائق، بل تجمدت عند أفضل لحظاتها.

بالطبع كنت أفتقدها، فقد كنت أصممها في ذهني لتكون جديرة بالحنين، دون أن أدرك ذلك. لكن زينيا الحقيقية كانت السبب في تركي للأكل بشكل سليم لعدة أشهر، وفي قلة نومي، وفي ضياعي داخل أفكاري حتى نسيت كيف يكون الشعور بالوجود بصورة طبيعية. كان ذلك حقيقيًا، وكل ما عايشته كان واقعيًا. ورغم ذلك، كنت أفتقدها. لأن النسخة التي اخترعتها كانت أسهل في الحب مما كانت عليه الحقيقة.

هنا تكمن النقطة التي أضاءت شيئًا في داخلي. لم أكن أفتقد زينيا، بل كنت أفتقد الشخص الذي كنت عليه في وجودها. كانت أحاسيسي كاملة؛ أي شعور كان يجتاحني، كنت أشعر به بكامل حدته. كنت أسميه حبًا، لكن في الواقع، كان أشبه بالانغماس البطيء في عمق معين.

عندما انتهت العلاقة، فقدت جزءًا مني معها. خيار الفراق يتجاوز مجرد الخسارة، إذ يحمل معه فقدان الذات التي كانت مرتبطة بتلك العلاقة المحددة. قضيت وقتًا طويلاً أعتقد أنني أفتقد زينيا، بينما كنت أفقد جزءًا من نفسي لم يعد لي.

ثم التقيتها مرة أخرى بعد سنوات. في مكان لم أتمكن من تجنبه. وبعد فترة قصيرة من الحديث، شعرت بسكون داخلي. لم يكن هناك شيء درامي؛ المرأة أمامي لم تكن تحمل أي علاقة بمن كنت أحمله في ذهني. لم يكن الحنين مؤلمًا، بل تبخر كحس غادر.

في طريق العودة إلى المنزل، استنتجت شيئًا آخر: لم أكن أفتقد زينيا، بل كنت أفتقد شخصية كتبت قصتها. ما كان بيننا كان حقيقيًا، ولكن يمكن أن تحب شخصًا بصدق وتكون الأمور معًا صعبة. كل من الحبي والخلل كانا موجودين في نفس العلاقة. لفترة، كنت غير قادر على استقبال ذلك. كنت أبحث عن قصة أكثر نقاءً، إما جميلة وتختم بصدمة، أو معيبة منذ البداية.

لكن ما هو حقيقي، هو أن حبنا كان حقيقيًا واستحالته كانت واقعًا، وكلا الأمرين كان يحدث في آن واحد. اللحظات الجيدة كانت حقيقية، والألم كذلك. الأمر يستحق، لكنه كان يجب أن ينتهي. لقد كانت إنسانة، وقد أحببنا بعضنا. ولكن هذا لم يكن كافيًا. تلك الصفحة قد أُغلقت. والواقع، حتى وإن كان أهدأ من القصة التي عشتها، إلا أنه أسهل في تحمّله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى