تكنولوجيا

تقنيات البلوك تشين: كيف يعمل البلوك تشين واستخداماته في الخدمات المالية

أصبحت تقنيات البلوك تشين من المفاهيم المهمة في عالم التكنولوجيا المالية. فهي تسمح لمجموعة من المشاركين بالاحتفاظ بسجل مشترك للمعاملات وفق قواعد محددة للتحقق والإجماع.

ومع ذلك، لا يعني ذلك أن البلوك تشين يحل جميع مشكلات الثقة أو الأمان. فكل نظام يعتمد على تصميمه، ونوع الشبكة، وطريقة إدارة المفاتيح، والقواعد التي يستخدمها المشاركون.

لذلك، من المهم فهم التقنية بعيدًا عن المبالغات المرتبطة بالعملات المشفرة أو الوعود بإلغاء الوسطاء بالكامل.

ما هي تقنيات البلوك تشين؟

البلوك تشين نوع من السجلات الرقمية الموزعة.

وتجمع الشبكة البيانات أو المعاملات في كتل. بعد ذلك، تربط كل كتلة بالكتلة السابقة باستخدام وسائل تشفيرية.

ويصف المعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتكنولوجيا NIST البلوك تشين بأنه سجل رقمي موزع يجعل التلاعب بالبيانات قابلًا للاكتشاف، كما يزيد صعوبة تعديل السجلات القديمة مع إضافة كتل جديدة.

يمكن الاطلاع على شرح NIST الرسمي لتقنية البلوك تشين.

لكن وصف التقنية بأنها «غير قابلة للتعديل نهائيًا» ليس دقيقًا في جميع الحالات. فدرجة الحماية تعتمد على بنية الشبكة وآلية الإجماع والجهات المشاركة فيها.

كيف يعمل البلوك تشين؟

تمر العملية عادة بعدة مراحل.

أولًا، ينشئ أحد المشاركين معاملة أو سجلًا جديدًا. ثم ترسل الشبكة هذه البيانات إلى العقد المشاركة للتحقق منها وفق قواعد النظام.

بعد ذلك، تجمع الشبكة المعاملات المقبولة داخل كتلة.

وترتبط الكتلة الجديدة بالسابقة باستخدام قيمة تشفيرية تعتمد على محتوى الكتلة السابقة.

لذلك، يؤدي تغيير البيانات القديمة إلى تغيير الرابط التشفيري المرتبط بها، ما يسمح للشبكة باكتشاف التعديل.

وأخيرًا، تضيف الشبكة الكتلة الجديدة بحسب آلية الإجماع التي تستخدمها.

ما المقصود بآلية الإجماع؟

تحتاج الشبكات الموزعة إلى طريقة للاتفاق على الحالة الصحيحة للسجل.

ولهذا تستخدم أنظمة البلوك تشين آليات إجماع مختلفة.

وتختلف هذه الآليات بحسب تصميم الشبكة. فبعض الأنظمة تستخدم إثبات العمل، بينما تستخدم أنظمة أخرى إثبات الحصة أو آليات مخصصة للشبكات المصرح بها.

كما تختلف متطلبات السرعة والطاقة والأمان بين هذه النماذج.

لذلك، لا توجد آلية واحدة مناسبة لجميع التطبيقات.

تقنيات البلوك تشين والعملات المشفرة

ارتبط اسم البلوك تشين بالبيتكوين والعملات المشفرة، لكنها ليست الاستخدام الوحيد للتقنية.

فالعملة المشفرة أحد التطبيقات الممكنة للسجل الموزع.

ومع ذلك، يمكن استخدام تقنيات مشابهة في مجالات أخرى مثل إدارة السجلات، وسلاسل الإمداد، والهوية الرقمية، وبعض تطبيقات الخدمات المالية.

ويشير NIST إلى أن البلوك تشين يمكن أن يدخل في تطبيقات تتجاوز العملات المشفرة، ومنها إدارة السجلات وسلاسل التوريد والهوية الرقمية.

استخدامات البلوك تشين في الخدمات المالية

يدرس القطاع المالي تقنيات السجلات الموزعة في عدة مجالات.

ومن أبرز الأمثلة تسوية بعض المعاملات، ونقل الأصول الرقمية، وإدارة سجلات مشتركة بين جهات متعددة.

كما يمكن لهذه الأنظمة أن تقلل الحاجة إلى تكرار بعض قواعد البيانات بين المؤسسات عندما يكون هناك إطار مشترك واضح.

بالإضافة إلى ذلك، قد تسمح بعض التطبيقات ببرمجة شروط معينة داخل ما يعرف بالعقود الذكية.

لكن تحقيق هذه الفوائد يعتمد على التطبيق الفعلي وليس على التقنية وحدها.

هل تقلل تقنيات البلوك تشين تكلفة التحويلات؟

قد تساعد بعض الأنظمة على تقليل خطوات أو أطراف معينة في عملية التسوية.

لكن من غير الدقيق القول إن البلوك تشين يجعل التحويلات دائمًا أسرع أو أرخص.

فالتكلفة تعتمد على نوع الشبكة ورسوم الاستخدام والبنية التحتية والمتطلبات التنظيمية.

كما تختلف سرعة التسوية بين شبكة وأخرى.

لذلك، يجب مقارنة كل تطبيق بالنظام التقليدي الذي يحاول استبداله أو تحسينه.

هل تمنع البلوك تشين الاحتيال؟

لا تمنع التقنية الاحتيال بصورة تلقائية.

فالبلوك تشين قد يساعد على حماية سلامة السجل وكشف محاولات تغيير بعض البيانات. لكنه لا يستطيع ضمان أن المعلومات المدخلة إلى النظام صحيحة من البداية.

على سبيل المثال، إذا أدخل شخص بيانات خاطئة بطريقة صحيحة تقنيًا، فقد يحفظ النظام هذه البيانات دون أن يعرف أنها غير صحيحة.

كما يمكن أن تحدث مخاطر بسبب سرقة المفاتيح الخاصة أو أخطاء العقود الذكية أو اختراق التطبيقات التي تتصل بالشبكة.

لذلك، يبقى الأمن السيبراني وإدارة الهوية والرقابة عناصر أساسية.

المخاطر المالية والتنظيمية

تواجه المؤسسات المالية تحديات إضافية عند التعامل مع شبكات البلوك تشين، خصوصًا الشبكات العامة غير المصرح بها.

ويشير بنك التسويات الدولية إلى مخاطر تشمل التشغيل والأمن والحوكمة والقانون والامتثال وتسوية المعاملات.

كما قد تواجه المؤسسات صعوبة في تقييم أطراف مجهولة تشارك في بعض الشبكات العامة.

لذلك، تحتاج البنوك والمؤسسات إلى ضوابط وإدارة مخاطر مناسبة بدل الاعتماد على خصائص التقنية وحدها.

يمكن قراءة المزيد في دراسة بنك التسويات الدولية حول مخاطر تقنيات السجلات الموزعة.

العقود الذكية واستخداماتها

العقد الذكي عبارة عن برنامج ينفذ تعليمات محددة عند تحقق شروط معينة داخل نظام البلوك تشين.

وقد يستخدم، على سبيل المثال، لتنفيذ انتقال أصل رقمي بعد تحقق شروط متفق عليها.

لكن كلمة «ذكي» لا تعني أن العقد يفهم النية البشرية.

فهو ينفذ الشفرة المكتوبة فيه.

لذلك، قد يؤدي الخطأ البرمجي إلى نتائج غير متوقعة، خصوصًا إذا كان النظام يتعامل مع أصول مالية.

البلوك تشين في سلاسل الإمداد

يمكن استخدام السجلات الموزعة لتوثيق أحداث معينة عبر سلسلة توريد تضم عدة جهات.

على سبيل المثال، قد تسجل الشركات مراحل انتقال منتج من جهة إلى أخرى.

لكن البلوك تشين لا يتحقق بنفسه من أن المنتج الفعلي يطابق المعلومات المدخلة.

لذلك، تحتاج مثل هذه الأنظمة إلى وسائل تحقق خارجية تربط البيانات الرقمية بالواقع.

وهذه نقطة مهمة لفهم حدود التقنية.

الفرق بين البلوك تشين العام والمصرح به

لا تعمل جميع شبكات البلوك تشين بالطريقة نفسها.

في الشبكات العامة، قد يستطيع عدد كبير من المشاركين الانضمام وفق قواعد البروتوكول.

أما الشبكات المصرح بها، فتحدد جهة أو مجموعة جهات من يستطيع المشاركة والتحقق من المعاملات.

ولهذا السبب، قد تفضل بعض المؤسسات المالية الشبكات ذات الصلاحيات المحددة عندما تحتاج إلى معرفة هوية المشاركين والالتزام بمتطلبات تنظيمية.

ومع ذلك، يختلف مستوى اللامركزية والحوكمة من نظام إلى آخر.

هل تلغي تقنيات البلوك تشين الوسطاء؟

قد تقلل بعض التطبيقات الحاجة إلى وسيط في خطوة معينة.

لكنها لا تلغي جميع الوسطاء بالضرورة.

فالخدمات المالية تحتاج غالبًا إلى جهات تتولى التحقق من الهوية والامتثال والحفظ وإدارة المخاطر وحل النزاعات.

كما قد تظهر جهات وسيطة جديدة مثل مشغلي المحافظ أو مزودي البنية التحتية الرقمية.

لذلك، الأدق أن نقول إن التقنية قد تعيد توزيع الأدوار بدل إلغائها بالكامل.

اقرأ أيضًا: ثورة في العالم الرقمي: أسرار التكنولوجيا المتطورة

مستقبل تقنيات البلوك تشين

يستمر تطوير تطبيقات السجلات الموزعة في القطاع المالي وغيره.

لكن نجاح أي مشروع يعتمد على المشكلة التي يحاول حلها، وليس على استخدام كلمة «بلوك تشين» بحد ذاتها.

كما تحتاج المؤسسات إلى مقارنة هذه التقنية بقواعد البيانات التقليدية والأنظمة المركزية قبل اختيارها.

بالإضافة إلى ذلك، يجب تقييم الأمان والتكلفة والسرعة والخصوصية والقوانين ذات الصلة.

الخاتمة

تقدم تقنيات البلوك تشين طريقة مختلفة لإنشاء سجل مشترك بين عدة أطراف باستخدام التشفير وآليات الإجماع.

وقد تكون مفيدة في بعض الخدمات المالية وإدارة السجلات والأصول الرقمية.

ومع ذلك، لا تمنع التقنية الاحتيال تلقائيًا، ولا تلغي جميع الوسطاء، ولا تجعل البيانات صحيحة لمجرد تسجيلها على البلوك تشين.

وفي النهاية، تعتمد قيمة هذه التقنية على اختيار الاستخدام المناسب وتصميم النظام وإدارة المخاطر بصورة جيدة.

ليث العبيدي

ليث العبيدي — مؤسس موقع جوانب ومحرّره، من بغداد. أكتب في التقنية والصحة والسفر والمال والتنمية البشرية، وأبني كل مقال على مصدر أصلي معلن يظهر رابطه داخل النص. لست مختصاً طبياً ولا مالياً، وما أنشره لا يغني عن استشارة المختص.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى