التغذية والشيخوخة الصحية: ماذا وجدت دراسة البيوماركرات الجديدة؟

ترتبط التغذية والشيخوخة الصحية بسؤال يشغل الباحثين منذ سنوات: هل يمكن لبعض العادات أو العلاجات أن تؤثر فعلًا في العمليات البيولوجية المرتبطة بالتقدم في العمر؟
قدمت دراسة حديثة منشورة في Nature Medicine إجابة جزئية على هذا السؤال.
فقد حلل الباحثون بيانات من 51 دراسة تدخلية طولية شملت البشر، واختبروا 111 مؤشرًا يعتمد على مثيلة الحمض النووي، من بينها 16 ساعة لاجينية معروفة لقياس العمر البيولوجي.
وأظهرت النتائج أن بعض التدخلات الغذائية والرياضية والدوائية ارتبطت بتغيرات في هذه المؤشرات.
لكن الباحثين حذروا من تفسير ذلك على أنه إثبات مباشر لإبطاء الشيخوخة أو إطالة العمر.
ما الذي درسته أبحاث التغذية والشيخوخة الصحية؟
ركز الباحثون على ما يسمى مؤشرات الشيخوخة اللاجينية.
وتعتمد هذه المؤشرات على تغيرات كيميائية تصيب الحمض النووي مع مرور الوقت، من دون تغيير تسلسل الجينات نفسه.
ويستخدم العلماء بعض هذه التغيرات لبناء ما يسمى «الساعات اللاجينية».
وتحاول هذه الساعات تقدير العمر البيولوجي أو بعض جوانب التدهور المرتبط بالتقدم في السن.
حللت الدراسة 111 مؤشرًا مختلفًا، شملت 16 ساعة لاجينية رئيسية و95 مؤشرًا إضافيًا يفسر بعض التغيرات المرتبطة بها.
يمكن قراءة الدراسة الأصلية في Nature Medicine.
التغذية والشيخوخة الصحية في نتائج الدراسة
وجد الباحثون أن التدخلات التي تجمع نظامًا غذائيًا صحيًا مع ممارسة الرياضة ارتبطت بصورة أكثر اتساقًا بانخفاض بعض مؤشرات العمر اللاجيني.
وشملت الدراسات أنماطًا مختلفة من التغذية.
من بينها النظام الغذائي المتوسطي، والأنظمة منخفضة الدهون، والأنظمة منخفضة الكربوهيدرات.
لذلك، لا تشير الدراسة إلى وجود «حمية واحدة» أثبتت قدرتها على إبطاء الشيخوخة.
بل تشير النتائج إلى أن تحسين نمط الغذاء إلى جانب النشاط البدني قد يؤثر في بعض البيوماركرات المستخدمة لقياس العمر البيولوجي.
الرياضة ودورها في الشيخوخة الصحية
ظهرت النتائج الأكثر اتساقًا عندما اجتمعت التغييرات الغذائية مع النشاط البدني.
وهذا لا يعني أن الدراسة حددت برنامجًا رياضيًا واحدًا باعتباره الأفضل لمقاومة الشيخوخة.
لكن النشاط البدني المنتظم يرتبط أصلًا بفوائد صحية واسعة.
كما أن الدمج بين الحركة والتغذية الجيدة قد يؤثر في عوامل مرتبطة بصحة القلب والتمثيل الغذائي والكتلة العضلية.
ومن ناحية أخرى، لا يمكن استخدام تغير الساعة اللاجينية وحده لقياس كل هذه الفوائد.
ما هي الساعات اللاجينية؟
تحاول الساعات اللاجينية تقدير جوانب من العمر البيولوجي بالاعتماد على أنماط مثيلة الحمض النووي.
ومع التقدم في العمر، تتغير بعض هذه الأنماط.
لذلك، طور الباحثون خوارزميات تقارن التغيرات في آلاف المواقع الجينية لتقدير ما إذا كانت الأنسجة أو الخلايا تبدو «أكبر» أو «أصغر» بيولوجيًا من العمر الزمني.
لكن هذه الساعات ليست اختبارًا نهائيًا لطول العمر.
فهي أدوات بحثية ما تزال تحتاج إلى مزيد من التحقق قبل استخدامها كنقاط نهاية بديلة في الدراسات التي تستهدف الشيخوخة.
الأدوية وعلاقتها بالتغذية والشيخوخة الصحية
شملت الدراسات التي حللها الباحثون بعض الأدوية المستخدمة أساسًا لعلاج حالات طبية محددة.
ومن بينها الميتفورمين المستخدم في إدارة السكري، والسيماغلوتايد المستخدم لعلاج السكري وإدارة الوزن في حالات مناسبة.
وأظهرت بعض البيانات تغيرات ملحوظة في مؤشرات العمر اللاجيني لدى المشاركين الذين تلقوا هذه العلاجات.
كما ظهرت تأثيرات مع بعض العلاجات المضادة لـTNF المستخدمة لعلاج أمراض التهابية معينة.
ومع ذلك، هذه النتائج لا تعني أن هذه الأدوية أصبحت علاجات مضادة للشيخوخة.
ولا ينبغي استخدامها لهذا الغرض من دون حاجة طبية واضحة وتقييم من الطبيب.
هل تثبت الدراسة أن الأدوية تبطئ الشيخوخة؟
لا.
وهذه واحدة من أهم النقاط في الدراسة.
فتغير البيوماركر لا يعني بالضرورة أن الشخص سيعيش فترة أطول أو سيصاب بأمراض أقل.
وقد أوضح الباحثون أن الهدف الحالي هو معرفة ما إذا كانت هذه المؤشرات تستجيب للتدخلات أصلًا.
أما الخطوة التالية، فهي التأكد من أن تغير هذه المؤشرات يتنبأ فعلًا بتحسن طويل الأمد في الصحة والوظائف الجسدية وخطر الأمراض.
يمكن الاطلاع على شرح Yale School of Medicine لنتائج الدراسة.
المكملات الغذائية والشيخوخة الصحية
حللت الدراسة أيضًا مجموعة من المكملات التي تباع دون وصفة طبية.
وفي البيانات التي راجعها الباحثون، لم تظهر المكملات تأثيرًا ثابتًا وواضحًا في خفض مؤشرات العمر اللاجيني مقارنة ببعض التدخلات الأخرى.
لكن ذلك لا يعني أن جميع المكملات عديمة الفائدة في كل الظروف.
فبعض الأشخاص قد يحتاجون إلى مكملات لعلاج نقص غذائي مثبت أو وفق توصية طبية.
المقصود هو أن الدراسة لم تجد دليلًا متسقًا يدعم استخدامها بشكل عام بهدف «إبطاء الشيخوخة».
لماذا لا تعتمد الشيخوخة الصحية على مؤشر واحد؟
من المغري البحث عن رقم واحد يخبرنا بمدى سرعة تقدمنا في العمر.
لكن الشيخوخة عملية معقدة.
فهي تشمل القلب والدماغ والعضلات والمناعة والتمثيل الغذائي وأعضاء أخرى.
لذلك، لا يستطيع اختبار جيني واحد أن يلخص كل جوانب الشيخوخة الصحية.
وتشير الدراسة إلى أن بعض المؤشرات الجديدة كانت أكثر استجابة للتدخلات من الساعات القديمة.
ومع ذلك، ما تزال الحاجة قائمة إلى معرفة أي منها يتنبأ بصورة أفضل بالنتائج الصحية الحقيقية.
لماذا تعد البيوماركرات مهمة؟
تحتاج الدراسات التقليدية حول طول العمر إلى سنوات طويلة، وأحيانًا عقود، لمعرفة تأثير تدخل معين في المرض أو الوفاة.
أما البيوماركر الجيد، فقد يسمح للباحثين بالحصول على إشارات أولية خلال فترة أقصر.
وبالتالي، يمكن أن تصبح تجارب الشيخوخة أسرع وأكثر كفاءة.
لكن ذلك يتطلب أولًا إثبات أن المؤشر يرتبط بنتيجة صحية حقيقية.
ولهذا يحاول الباحثون بناء معايير أكثر صرامة لتقييم هذه الساعات.
ما حدود الدراسة؟
الدراسة عبارة عن تحليل لعدد كبير من الدراسات السابقة.
وهذه ميزة لأنها تسمح بمقارنة تدخلات متعددة.
لكن الدراسات الأصلية اختلفت في عدد المشاركين ومدد المتابعة والحالات الصحية والتدخلات المستخدمة.
كما اختلفت الاستجابة بين الأشخاص الأصحاء والأشخاص المصابين بأمراض.
لذلك، لا يمكن اعتبار جميع التدخلات متساوية أو استخراج وصفة موحدة لمقاومة الشيخوخة.
ماذا تعني التغذية والشيخوخة الصحية للشخص العادي؟
لا تقدم الدراسة علاجًا جديدًا يمكن اتباعه لإيقاف الشيخوخة.
لكنها تدعم فكرة أن نمط الحياة يترك آثارًا قابلة للقياس في الجسم.
وفي الوقت نفسه، تبقى الأدلة طويلة الأمد أقوى لصالح عادات صحية معروفة.
تشمل هذه العادات النشاط البدني المنتظم، والتغذية المتوازنة، وعدم التدخين، والحصول على نوم كافٍ، وإدارة الأمراض المزمنة بالتعاون مع الطبيب.
أما الأدوية والمكملات، فلا ينبغي استخدامها بهدف مكافحة الشيخوخة من دون سبب طبي واضح.
هل يوجد نظام غذائي مضاد للشيخوخة؟
لا يوجد حاليًا نظام غذائي واحد أثبت أنه يوقف الشيخوخة البشرية.
لكن أنماطًا غذائية مثل النظام المتوسطي ترتبط في دراسات كثيرة بصحة أفضل للقلب والتمثيل الغذائي.
كما أن تناول الخضروات والفواكه والحبوب الكاملة ومصادر البروتين المناسبة قد يساعد على تحسين جودة الغذاء عمومًا.
ومع ذلك، تختلف الاحتياجات الغذائية حسب العمر والحالة الصحية ومستوى النشاط.
لذلك، لا توجد خطة واحدة تناسب الجميع.
النشاط البدني عنصر أساسي للشيخوخة الصحية
الرياضة لا تقتصر فائدتها على الوزن.
فالنشاط البدني يدعم القلب والعضلات والعظام والتمثيل الغذائي.
كما يساعد الحفاظ على الكتلة العضلية والقوة مع التقدم في السن على دعم الحركة والاستقلالية.
ولهذا يبقى النشاط المنتظم جزءًا مهمًا من مفهوم الشيخوخة الصحية.
اقرأ أيضًا: تمارين فترات السرعة: كيف تدعم الصحة القلبية الأيضية؟
هل يمكن قياس عمرك البيولوجي بدقة؟
توجد اليوم اختبارات تجارية تدعي قياس العمر البيولوجي.
لكن تفسير نتائجها يحتاج إلى حذر.
فالساعات اللاجينية المختلفة قد تعطي نتائج مختلفة للشخص نفسه.
كما أن المجال ما يزال يتطور بسرعة.
لذلك، لا ينبغي اتخاذ قرارات علاجية أو غذائية اعتمادًا على نتيجة اختبار عمر بيولوجي تجاري وحده.
مستقبل التغذية والشيخوخة الصحية
قد تساعد هذه الدراسة على تحسين طريقة اختبار تدخلات الشيخوخة مستقبلًا.
فإذا أثبت الباحثون أن بعض البيوماركرات تتنبأ بالفعل بنتائج مثل الأمراض والعجز والوفاة، فقد تصبح أدوات مهمة في التجارب السريرية.
وعندها يمكن تقييم التدخلات بسرعة أكبر بدل انتظار عقود.
لكن الباحثين يؤكدون أن هذه المرحلة لم تتحقق بالكامل بعد.
خلاصة التغذية والشيخوخة الصحية
تشير الدراسة الجديدة إلى وجود علاقة بين التغذية والشيخوخة الصحية وبعض مؤشرات العمر البيولوجي.
فقد ارتبط الجمع بين النظام الغذائي الصحي والنشاط البدني بتحسن أكثر اتساقًا في بعض مؤشرات مثيلة الحمض النووي.
كما أظهرت بعض الأدوية الموصوفة لحالات طبية محددة تغيرات في هذه المؤشرات.
في المقابل، لم تظهر المكملات التي فحصتها الدراسة تأثيرًا ثابتًا مماثلًا.
ومع ذلك، لا تثبت هذه النتائج أن أي غذاء أو دواء يبطئ الشيخوخة البشرية بصورة مؤكدة.
فالبيوماركرات أدوات واعدة، لكنها ليست بديلًا عن الأدلة طويلة الأمد حول المرض والوظائف الجسدية والعمر.
وفي الوقت الحالي، تبقى العادات الصحية الأساسية هي الخيار الأكثر دعمًا بالأدلة، بينما يجب استخدام الأدوية والمكملات وفق الحاجة الطبية وليس بهدف مكافحة الشيخوخة بصورة ذاتية.



