تنمية بشرية

التعلق المرضي والعلاقات غير الصحية: كيف نبدأ طريق التعافي

يظهر التعلق المرضي عندما يصبح شعورنا بالأمان مرتبطًا بردود فعل الآخرين أكثر من ارتباطه بذواتنا. وفي كثير من الأحيان، يقود هذا النمط إلى علاقات غير صحية، لأن الشخص يبدأ بإهمال احتياجاته، ويبحث باستمرار عن القبول والطمأنينة من طرف آخر.

وفقًا للكاتبة Melody Beattie، فإن الشخص المعتمد على الآخر هو من يتأثر بسلوك شخص آخر، ثم يصبح منشغلًا بمحاولة التحكم في هذا السلوك. لذلك، لا يكون التعلق المرضي مجرد حب زائد، بل نمطًا عاطفيًا يربط قيمة الإنسان بوجود شخص آخر أو رضاه.

ما هو التعلق المرضي؟

بدأت رحلتي مع التعلق المرضي في سن مبكرة. كنت أعيش شعورًا دائمًا بعدم الأمان، رغم وجود أصدقاء كثيرين وعائلة جيدة. ومع ذلك، كنت أبحث بلا توقف عن القبول من الآخرين، كأنني لا أستطيع أن أرى قيمتي إلا من خلال نظرتهم إليّ.

ترجع جذور هذا الشعور إلى طلاق الوالدين. فقد شعرت حينها كأنني جزيرة منفصلة، تحمل حزنًا غامضًا لا أعرف كيف أتعامل معه. لهذا السبب، بدأت أهرب من مشاعري السلبية عبر البحث عن الرضا الخارجي.

ومع مرور الوقت، تحوّل هذا البحث إلى دائرة مرهقة. كنت أظن أن الحب أو القبول من شخص آخر سيمنحني الأمان، لكنني في الحقيقة كنت أبتعد أكثر عن نفسي.

التعلق المرضي داخل العلاقات غير الصحية

عندما بلغت التاسعة عشرة، دخلت أول علاقة اعتمادية بشكل واضح. كان الرجل أكبر مني بعشر سنوات، وكان يعاني من إدمان الكوكايين. خلال تلك العلاقة، بدأت صحتي تتدهور، وفقدت الكثير من وزني، كما دخلت في حالة اكتئاب مؤلمة.

لم أكن أدرك في ذلك الوقت مدى سوء العلاقة. كنت مهووسة به، وغيورة، وخائفة من فقدانه. بالإضافة إلى ذلك، أهملت جسدي وعقلي، ووضعت احتياجاته ومزاجه في مركز حياتي.

بعد عشرة أشهر، اضطررت إلى مواجهة الحقيقة. كان عليّ أن أترك تلك العلاقة، وأن أعترف بأن ما أعيشه ليس حبًا صحيًا. ومع ذلك، اعتقدت أن خروجي من العلاقة يعني أنني تخلصت من النمط بالكامل، لكن الأمر لم يكن بهذه البساطة.

لاحقًا، قضيت أربع سنوات أخرى مع شريك لديه اعتماد على الكحول. عندها عادت المشاعر القديمة بقوة: الخوف، والقلق، والرغبة في الإنقاذ، وانتظار لحظات الحب وسط فوضى متكررة. من ناحية أخرى، بدأت أفهم أن المشكلة ليست في علاقة واحدة فقط، بل في النمط الذي أكرره.

كيف يبدأ التعافي من التعلق المرضي؟

بدأ التغيير الحقيقي بعد قراءتي كتاب Melody Beattie بعنوان “Codependent No More”. كان هذا الكتاب من أكثر الكتب تأثيرًا في حياتي، لأنه ساعدني على فهم مشاعري وسلوكياتي بدل الهروب منها.

تعلمت أن التغيير لا يحدث من تلقاء نفسه. يجب أن نقرر التوقف عن تكرار الأنماط نفسها، حتى لو كانت مألوفة لنا. كما تعلمت أن الحياة ليست حالة طوارئ دائمة، وأنني لست مسؤولة عن إنقاذ كل شخص أحبه.

بعد ذلك، بدأت أستمع إلى محاضرات Alan Watts، وأمارس أنشطة فردية مثل القراءة والكتابة. ساعدتني هذه العادات على بناء مساحة داخلية أكثر هدوءًا. كما منحتني فرصة للتعرف إلى نفسي بعيدًا عن العلاقات والقلق المستمر.

بالإضافة إلى ذلك، انضممت إلى مجموعات دعم عبر الإنترنت. هناك، استطعت مشاركة قصتي دون خوف من الحكم. وهذا كان مهمًا جدًا، لأن التعافي لا يحتاج دائمًا إلى إجابات جاهزة، بل يحتاج أحيانًا إلى مساحة آمنة نقول فيها الحقيقة.

استعادة الذات وبناء حدود صحية

مثل Elizabeth Gilbert في كتابها “Eat, Pray, Love”، جاءت لحظتي الحاسمة في مكان بسيط وهادئ. في تلك اللحظة، أدركت أن حياتي لا يجب أن تدور حول الشركاء فقط، ولا حول الخوف من الهجر أو الرفض.

بدأت أفهم أن التعافي من التعلق المرضي لا يعني أن نتوقف عن الحب. بل يعني أن نتعلم كيف نحب دون أن نفقد أنفسنا. كما يعني أن نضع حدودًا صحية، وأن نسمح للآخرين بتحمل مسؤولية حياتهم ومشاعرهم.

اليوم، أعيش بوعي أكبر. أمنح نفسي مساحة للتنفس، وأحاول إعادة صياغة أفكاري ومشاعري عندما تعود الأنماط القديمة. ومع ذلك، أعرف أن التعافي ليس خطًا مستقيمًا، بل رحلة تحتاج إلى صبر وصدق مع الذات.

في النهاية، يمكن أن يكون التعلق المرضي مؤلمًا، لكنه ليس حكمًا نهائيًا على حياتنا. عندما نفهم النمط، ونتعلم الاهتمام بأنفسنا، ونبني علاقات أكثر توازنًا، يصبح التعافي ممكنًا خطوة بعد خطوة.

اقرأ أيضًا: إستراتيجيات التغلب على التخلي العاطفي: فهم الفينغ

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى