تنمية بشرية

التعلق المرضي والعلاقات غير الصحية: كيف نبدأ طريق التعافي؟

يظهر التعلق المرضي عندما يصبح شعورنا بالأمان والقيمة مرتبطًا بصورة مفرطة بردود فعل شخص آخر، حتى نبدأ بإهمال احتياجاتنا وحدودنا.

وقد يظهر هذا النمط داخل علاقات غير متوازنة يشعر فيها أحد الطرفين بأنه مسؤول عن إنقاذ الآخر أو إسعاده أو التحكم في مشاعره.

ومع ذلك، فإن مصطلحات مثل التعلق المرضي أو الاعتمادية العاطفية لا ينبغي استخدامها لتشخيص النفس أو الآخرين بصورة تلقائية.

فالعلاقات معقدة، وقد تتأثر بالتجارب السابقة والخوف من الهجر وطريقة التواصل والحدود الشخصية.

ما هو التعلق المرضي؟

بدأت رحلتي مع التعلق المرضي في سن مبكرة.

كنت أعيش شعورًا متكررًا بعدم الأمان رغم وجود أصدقاء وعائلة حولي.

ومع الوقت، أصبحت أبحث عن القبول من الآخرين، وكأن قيمتي تعتمد على الطريقة التي يرونني بها.

كنت أظن أن الحصول على الحب أو الاهتمام سيمنحني شعورًا دائمًا بالأمان.

لكن هذا الاعتماد على الرضا الخارجي جعلني أبتعد تدريجيًا عن احتياجاتي ومشاعري.

التعلق المرضي والعلاقات غير المتوازنة

عندما بلغت التاسعة عشرة، دخلت علاقة أصبحت فيها احتياجات الطرف الآخر ومشكلاته محور حياتي.

وكان شريكي يعاني من إدمان الكوكايين.

ومع استمرار العلاقة، بدأت أهمل صحتي وراحتي وحياتي اليومية.

كما أصبحت خائفة من فقدانه، ومشغولة بمحاولة فهم مزاجه أو إصلاح مشكلاته.

لاحقًا، أدركت أنني لم أعد أعيش علاقة متوازنة.

فقد أصبحت أضع احتياجات شخص آخر قبل احتياجاتي بصورة مستمرة.

وتشير Cleveland Clinic إلى أن العلاقات الاعتمادية قد تتضمن اختلالًا في التوازن، حيث يكرس أحد الأشخاص قدرًا كبيرًا من الوقت والطاقة للطرف الآخر ويبدأ بفقدان الاتصال باحتياجاته وقيمه الشخصية.

يمكن قراءة شرح Cleveland Clinic للعلاقات الاعتمادية وعلاماتها.

لماذا نكرر بعض أنماط العلاقات؟

بعد انتهاء العلاقة الأولى، اعتقدت أن المشكلة انتهت.

لكنني اكتشفت لاحقًا أن تغيير الشريك لا يعني دائمًا تغيير النمط.

فقد دخلت علاقة أخرى استمرت عدة سنوات مع شخص لديه اعتماد على الكحول.

وعادت مشاعر القلق والخوف والرغبة في الإنقاذ.

هنا بدأت أفهم أن السؤال لم يعد: لماذا يفعل الطرف الآخر ذلك؟

بل أصبح: لماذا أضع نفسي مرارًا في دور يجعل حياتي كلها تدور حول شخص آخر؟

التعلق المرضي لا يعني الحب الزائد فقط

من السهل وصف هذه العلاقات بأنها نتيجة «الحب الزائد».

لكن المشكلة أعمق من ذلك.

ففي العلاقة الصحية، يستطيع الإنسان أن يحب ويدعم الطرف الآخر دون أن يفقد استقلاله أو يتخلى عن احتياجاته.

أما عندما يصبح الشخص مسؤولًا عن مزاج الآخر وقراراته ومشكلاته طوال الوقت، فقد يبدأ التوازن بالاختفاء.

كما قد يشعر بالذنب عندما يحاول تخصيص وقت لنفسه أو قول «لا».

وهذه إشارات تستحق التوقف عندها وفهمها.

كيف بدأ التعافي من التعلق المرضي؟

كانت القراءة إحدى الخطوات التي ساعدتني على فهم ما أعيشه.

ومن الكتب التي أثرت فيّ كتاب Melody Beattie بعنوان “Codependent No More”.

ساعدني الكتاب على رؤية بعض السلوكيات التي كنت أكررها دون وعي.

كما بدأت أفهم أنني لا أستطيع التحكم في شخص آخر أو إنقاذه من خياراته.

وكان هذا الإدراك صعبًا، لكنه منحني مساحة أكبر لتحمل مسؤولية حياتي أنا.

استعادة الذات خطوة أساسية

بدأت أعود إلى أنشطة كنت أمارسها بمفردي.

قرأت وكتبت، وخصصت وقتًا للهدوء بعيدًا عن العلاقات.

كما استمعت إلى محاضرات وأفكار ساعدتني على النظر إلى مشاعري بطريقة مختلفة.

ولم يكن الهدف أن أهرب من الناس.

بل أن أتعلم كيف أكون مرتاحة مع نفسي دون الحاجة المستمرة إلى شخص آخر يمنحني الطمأنينة.

الحدود الصحية في العلاقات

كان تعلم وضع الحدود من أصعب أجزاء التغيير.

فالحدود لا تعني العقاب أو البرود.

بل تعني معرفة ما نستطيع تقديمه، وما لا نستطيع تحمله، وما نحتاج إليه كي نشعر بالاحترام والأمان.

وتنصح NHS في العلاقات المرهقة بتحديد ما يمكن للشخص تقديمه، والالتزام بحدوده، وتخصيص وقت للعناية بالنفس.

يمكن الاطلاع على إرشادات NHS حول العلاقات الصحية والحدود والعناية بالنفس.

التعلق المرضي والشعور بالذنب

قد يشعر الشخص بالذنب عندما يبدأ بوضع حدود جديدة.

فإذا اعتاد على تلبية احتياجات الآخرين باستمرار، قد يبدو قول «لا» تصرفًا أنانيًا.

لكن الاهتمام بالنفس لا يعني التخلي عن الآخرين.

بل يساعد على بناء علاقة أكثر توازنًا لا يختفي فيها أحد الطرفين لصالح الآخر.

ومع الوقت، تعلمت أنني أستطيع الاهتمام بشخص ما دون تحمل مسؤولية حياته كاملة.

مجموعات الدعم والحديث مع الآخرين

ساعدتني أيضًا مجموعات الدعم على رؤية أنني لست الوحيدة التي تعيش هذه الأنماط.

فمشاركة التجربة مع أشخاص يفهمونها قد تقلل الشعور بالعزلة.

كما يمكن للتحدث مع صديق موثوق أو مختص نفسي أن يساعد على رؤية العلاقة من زاوية مختلفة.

وتنصح NHS أيضًا بالتحدث إلى شخص موثوق خارج العلاقة عندما يصبح الضغط العاطفي مرهقًا.

التعافي لا يعني أن تصبح باردًا

أحد أكثر الأشياء التي تعلمتها هو أن التعافي لا يعني التوقف عن الحب.

بل يعني أن أتعلم الحب دون أن أفقد نفسي.

يمكنني الاهتمام بشخص آخر، لكن لا يجب أن أتخلى عن صحتي أو أصدقائي أو أهدافي أو حدودي كي أحافظ على العلاقة.

كما يمكنني مساعدة شخص، لكن لا أستطيع إجباره على التغيير.

وهذا الفرق مهم جدًا.

ماذا لو عاد النمط القديم؟

التغيير لا يحدث دائمًا بصورة مستقيمة.

قد نعود أحيانًا إلى الخوف أو محاولة إرضاء الآخرين.

وقد نلاحظ أننا نكرر سلوكًا قديمًا في علاقة جديدة.

لكن ملاحظة النمط في حد ذاتها خطوة مهمة.

فكلما أصبحت أكثر وعيًا بما أشعر به، أصبح من الأسهل أن أتوقف وأسأل نفسي: هل هذا القرار نابع من الحب، أم من الخوف؟

متى تصبح العلاقة غير صحية؟

لا توجد علاقة مثالية.

لكن بعض العلامات تستحق الانتباه، خصوصًا إذا تكررت.

منها الشعور بأن احتياجاتك لا قيمة لها، أو الخوف المستمر من رد فعل الطرف الآخر، أو التخلي عن الأصدقاء والاهتمامات، أو تحمل مسؤولية مشكلات لا يمكنك التحكم بها.

كما قد تصبح العلاقة أكثر خطورة إذا ظهر فيها تهديد أو عنف أو سيطرة أو ابتزاز.

وفي هذه الحالات، تصبح السلامة أهم من محاولة إصلاح العلاقة بمفردك.

متى نحتاج إلى مساعدة متخصصة؟

إذا أصبحت العلاقة مصدرًا مستمرًا للقلق أو الخوف أو فقدان الثقة بالنفس، فقد يكون من المفيد التحدث مع مختص نفسي.

كما تصبح المساعدة المهنية مهمة إذا كان أحد الطرفين يعاني من إدمان أو مشكلة نفسية أو سلوك مؤذٍ.

فالدعم المهني لا يعني أن الشخص فشل في التعامل مع حياته.

بل يمكن أن يمنحه مساحة آمنة لفهم الأنماط وتعلم طرق أكثر توازنًا للتعامل معها.

أما إذا كانت العلاقة تتضمن عنفًا أو تهديدًا مباشرًا، فيجب إعطاء الأولوية للسلامة وطلب المساعدة من الجهات المحلية المختصة أو خدمات الطوارئ.

اقرأ أيضًا: إستراتيجيات التغلب على التخلي العاطفي: فهم الفينغ

خلاصة التعلق المرضي وطريق التعافي

قد يجعل التعلق المرضي الإنسان يعتقد أن الأمان موجود داخل شخص آخر فقط.

لكن التعافي يبدأ عندما نعيد الاهتمام بأنفسنا ونفهم احتياجاتنا وحدودنا.

كما يتطلب التعافي أن ندرك أن حب شخص ما لا يعني تحمل مسؤولية كل مشاعره وقراراته.

وفي النهاية، لا يعني بناء علاقة صحية التخلي عن القرب أو الاهتمام.

بل يعني الوصول إلى علاقة يستطيع فيها الطرفان أن يحب كل منهما الآخر دون أن يفقد أحدهما نفسه.

ليث العبيدي

ليث العبيدي — مؤسس موقع جوانب ومحرّره، من بغداد. أكتب في التقنية والصحة والسفر والمال والتنمية البشرية، وأبني كل مقال على مصدر أصلي معلن يظهر رابطه داخل النص. لست مختصاً طبياً ولا مالياً، وما أنشره لا يغني عن استشارة المختص.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى