صحة

السلوك المستقر وتأثيره على الصحة: دراسة تربط الجلوس بخطر السرطان

يشير السلوك المستقر إلى قضاء فترات طويلة في الجلوس أو الاستلقاء أثناء اليقظة مع استهلاك منخفض للطاقة. وقد أصبح هذا النمط محور اهتمام متزايد لدى الباحثين، لأنه يرتبط بعدد من المخاطر الصحية، منها أمراض القلب والسكري من النوع الثاني وبعض أنواع السرطان.

وفي دراسة حديثة نُشرت في يوليو 2026، وجد الباحثون أن الجلوس المطول دون انقطاع ارتبط بارتفاع خطر الوفاة الناتجة عن السرطان.

لكن هذه النتيجة لا تعني أن الجلوس يسبب السرطان مباشرة.

فالدراسة كانت رصدية، لذلك تكشف عن ارتباط إحصائي ولا تثبت علاقة سببية نهائية.

ما هو السلوك المستقر؟

لا يعني السلوك المستقر مجرد عدم ممارسة الرياضة.

بل يشمل الجلوس لفترات طويلة أمام المكتب أو التلفاز أو الهاتف أو أثناء القيادة.

وقد يمارس الشخص التمارين أحيانًا، لكنه يقضي بقية يومه في فترات طويلة من الجلوس.

وتعرف منظمة الصحة العالمية السلوك المستقر بأنه أي وقت يقضيه الشخص مستيقظًا في الجلوس أو الاستلقاء مع استهلاك منخفض للطاقة.

كما تؤكد أن المستويات المرتفعة منه ترتبط بزيادة مخاطر الوفاة وأمراض القلب والسرطان والسكري من النوع الثاني.

يمكن الاطلاع على إرشادات منظمة الصحة العالمية حول النشاط البدني والسلوك المستقر.

ماذا وجدت الدراسة الحديثة؟

حللت الدراسة بيانات 91,292 مشاركًا في UK Biobank استخدموا أجهزة لقياس الحركة.

وتابع الباحثون المشاركين مدة متوسطة تجاوزت 12 عامًا.

ووجدوا أن كل ساعة إضافية من السلوك المستقر المطول ارتبطت بزيادة قدرها 9% في خطر الوفاة بالسرطان بعد تعديل عدد من العوامل الديموغرافية والصحية ونمط الحياة.

يمكن قراءة الدراسة الأصلية عبر PubMed.

ومن المهم التأكيد أن هذه النتيجة تعبر عن ارتباط إحصائي داخل مجموعة الدراسة.

فقد تبقى عوامل أخرى غير مقاسة تؤثر في العلاقة.

السلوك المستقر المطول يختلف عن الجلوس المتقطع

ركزت الدراسة على الفرق بين الجلوس المطول والجلوس الذي تتخلله فترات حركة.

وهذه نقطة مهمة.

فقد يقضي شخصان العدد نفسه من الساعات جالسين، لكن أحدهما يجلس لفترات طويلة متواصلة، بينما يتحرك الآخر بصورة متكررة خلال اليوم.

وأشارت النتائج إلى أن نمط الجلوس نفسه قد يكون مهمًا، وليس المجموع اليومي فقط.

لذلك، فإن كسر فترات الجلوس بالحركة قد يكون وسيلة عملية لتحسين نمط اليوم.

السلوك المستقر وخطر الوفاة بالسرطان

أظهرت الدراسة ارتباطًا بين فترات الجلوس المطولة وارتفاع خطر الوفاة الناتجة عن السرطان.

لكنها لم تجد بالضرورة التأثير نفسه لجميع أنواع السرطان وبالمقدار نفسه.

كما أن النتائج لا تعني أن كل شخص يجلس لفترة طويلة سيصاب بالسرطان.

فالسرطان يتأثر بعوامل متعددة، منها العمر والجينات والتدخين والوزن والنظام الغذائي وبعض العوامل البيئية.

لذلك، يجب قراءة النتائج باعتبارها جزءًا من صورة صحية أوسع.

ماذا يحدث عند استبدال الجلوس بالحركة؟

استخدم الباحثون نماذج إحصائية لتقدير ما قد يحدث عند استبدال جزء من وقت الجلوس المطول بالنشاط.

ووجدوا أن استبدال ساعة يوميًا من الجلوس المطول بنشاط خفيف ارتبط بانخفاض خطر الوفاة بالسرطان.

كما ارتبط استبدال 30 دقيقة يوميًا بنشاط متوسط الشدة بانخفاض إضافي في الخطر.

لكن هذه النتائج تظل تقديرات مبنية على بيانات رصدية، وليست تجربة سريرية أثبتت أن هذا الاستبدال يمنع الوفاة بالسرطان.

ومع ذلك، تتوافق الفكرة العامة مع توصيات الصحة العامة الداعية إلى تقليل الجلوس وزيادة الحركة.

لماذا قد يرتبط السلوك المستقر بالمخاطر الصحية؟

لا تزال الآليات الدقيقة قيد البحث.

لكن فترات الجلوس الطويلة قد ترتبط بزيادة الوزن واضطراب تنظيم السكر والدهون وتغيرات أيضية أخرى.

كما أن الشخص الذي يجلس لفترات طويلة قد يمارس نشاطًا بدنيًا أقل خلال اليوم.

وهذه العوامل نفسها ترتبط بمخاطر صحية متعددة.

لذلك، من الصعب فصل تأثير الجلوس تمامًا عن بقية عناصر نمط الحياة.

هل تكفي ممارسة الرياضة لتعويض الجلوس الطويل؟

النشاط البدني المنتظم مفيد جدًا للصحة.

لكن منظمة الصحة العالمية توصي أيضًا بتقليل وقت السلوك المستقر نفسه.

فالشخص قد يحقق هدفه الأسبوعي من التمارين، لكنه يقضي ساعات طويلة جدًا جالسًا بقية اليوم.

لذلك، من الأفضل الجمع بين النشاط الرياضي وتقليل فترات الجلوس المتواصلة.

كما تشير WHO إلى أن الأشخاص الذين يقضون وقتًا طويلًا في السلوك المستقر قد يستفيدون من مستويات أعلى من النشاط المتوسط أو القوي.

كيف تقلل السلوك المستقر خلال اليوم؟

لا تحتاج إلى إلغاء الجلوس بالكامل.

الأهم هو إدخال الحركة في اليوم بصورة أكثر انتظامًا.

يمكنك، على سبيل المثال:

  • الوقوف والتحرك بين المهام.
  • المشي أثناء بعض المكالمات.
  • اختيار الدرج عندما يكون ذلك مناسبًا.
  • القيام ببعض الأعمال المنزلية بدل البقاء جالسًا.
  • المشي لمسافة قصيرة خلال استراحة العمل.
  • تغيير وضعية الجسم والتحرك بدل البقاء ساعات في مكان واحد.

ولا تحدد منظمة الصحة العالمية ضرورة الحركة كل 15 أو 30 دقيقة للجميع.

لذلك، من الأفضل التركيز على تقليل الجلوس واستبدال جزء منه بأي نشاط بدني ممكن بدل الالتزام برقم زمني غير ثابت.

الحركة الخفيفة لها قيمة أيضًا

ليس من الضروري أن تتحول كل فترة حركة إلى تمرين قوي.

فالمشي البطيء والوقوف والمهام اليومية تعد أشكالًا من الحركة.

وتؤكد WHO أن استبدال وقت السلوك المستقر بأي نشاط بدني، حتى منخفض الشدة، يوفر فوائد صحية.

وهذا يجعل التغيير أكثر واقعية بالنسبة لمن يعملون في وظائف مكتبية أو لا يستطيعون ممارسة نشاط قوي باستمرار.

متى تحتاج إلى زيادة النشاط البدني؟

توصي منظمة الصحة العالمية البالغين عمومًا بممارسة ما بين 150 و300 دقيقة أسبوعيًا من النشاط الهوائي متوسط الشدة.

أو يمكن ممارسة 75 إلى 150 دقيقة من النشاط القوي، أو مزيج مكافئ بينهما.

كما يفضل إدخال تمارين تقوية العضلات مرتين أسبوعيًا على الأقل.

لكن هذه أهداف عامة.

ومن لديه مرض مزمن أو قيود حركية قد يحتاج إلى خطة مناسبة لحالته بالتعاون مع مختص صحي.

حدود الدراسة

رغم حجم الدراسة الكبير، لديها عدة حدود.

فهي دراسة رصدية، وبالتالي لا تستطيع إثبات السببية.

كما اعتمد الباحثون على أجهزة قياس الحركة لمدة سبعة أيام فقط لتمثيل نمط حياة المشاركين.

وقد توجد أيضًا عوامل صحية أو سلوكية أخرى لم يتم قياسها بالكامل.

بالإضافة إلى ذلك، يتكون UK Biobank من متطوعين قد يختلفون عن السكان عمومًا في بعض الخصائص الصحية والسلوكية.

لذلك، يجب تفسير النتائج ضمن هذه الحدود.

ماذا تعني النتائج للشخص العادي؟

الرسالة العملية ليست الخوف من الجلوس.

فالجلوس جزء طبيعي من الحياة والعمل والراحة.

لكن المشكلة تظهر عندما يسيطر على معظم ساعات اليوم ويستمر لفترات طويلة دون حركة.

لذلك، من المفيد البحث عن فرص صغيرة للحركة خلال اليوم.

وقد تكون هذه التغييرات مفيدة للقلب والتمثيل الغذائي والصحة العامة، حتى بعيدًا عن موضوع السرطان.

اقرأ أيضًا: أداة تقييم خطر سرطان البروستاتا: نتائج الدراسة الجديدة

خلاصة السلوك المستقر وتأثيره على الصحة

تشير الدراسة الحديثة إلى أن السلوك المستقر المطول يرتبط بزيادة خطر الوفاة بالسرطان، بينما يرتبط استبدال جزء من وقت الجلوس بالحركة بانخفاض الخطر.

لكن النتائج لا تثبت أن الجلوس وحده يسبب السرطان.

كما لا توجد قاعدة علمية تقول إن الجميع يجب أن يتحركوا كل 15 دقيقة تحديدًا.

الأفضل هو تقليل وقت الجلوس الإجمالي، وكسر الفترات الطويلة بالحركة، وممارسة النشاط البدني بانتظام وفق القدرة والحالة الصحية.

وفي النهاية، لا يتعلق الهدف بإلغاء الجلوس، بل ببناء يوم يحتوي على حركة أكثر وفترات أقل من الخمول المتواصل.

ليث العبيدي

ليث العبيدي — مؤسس موقع جوانب ومحرّره، من بغداد. أكتب في التقنية والصحة والسفر والمال والتنمية البشرية، وأبني كل مقال على مصدر أصلي معلن يظهر رابطه داخل النص. لست مختصاً طبياً ولا مالياً، وما أنشره لا يغني عن استشارة المختص.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى