تنمية بشرية

تحررت من سرد قصتي كضحية

قبل بضع سنوات، جلست مع صديق قديم في مقهى صغير بالقرب من منزلي. كان رفيق دربي، وأطلق عليه اسم “راي”. راي رجل يتمتع بحكمة عميقة وقلب كبير، حيث يركز كل انتباهه عند الاستماع. خلال اللقاء، تحدثت عن تحديات عامي الأول كمدير؛ إذ انتقلت من كوني مستشارًا يهتم بالاستماع والتواصل إلى شخص يتحمل مسؤوليات مثل إدارة الميزانيات وكتابة التقييمات ومتابعة الأداء.

أخبرته بشعوري بعدم الكفاءة، وأنني أشعر بأن طلب المساعدة يزعج الآخرين. علق راي بأنه من الطبيعي أن أواجه صعوبة في هذا التحول. استمريت في سرد مشاعري السلبية، موضحة كيف أن الانتقادات التي أتعرض لها تضاعف من معاناتي، حيث يرى البعض أنني طيب للغاية أو لست صارمًا بما فيه الكفاية في تطبيق السياسات.

في تلك اللحظة، اخبرني راي بملاحظة أثرت فيّ: “أنت ترى نفسك كضحية، وكأن الحياة تسير في اتجاه واحد وأنت تنتظر أن تتوقف.” أتاحت لي هذه الكلمات فرصة للتفكر في نفسي، فشعرت بصداع وكأنني أحمل عبئًا نفسيًا لا يتركني، حتى عندما حاولت النوم.

بدأت أدرك أنني كنت أحتفظ بمظالم لم أعبر عنها، ولم أحاول تغيير أي شيء. وتجلت لي صورة في ذهني، حيث رأيت نفسي أرتدي لافتة تحمل كلمة “ضحية”. كان الأمر صعبًا، لأن جزءًا مني كان يختار هذه الوضعية، مما جعلني أشعر بمسؤولية تجاه ما أعيشه.

رغم عدم رغبتي في قبول الفكرة، بدأت أسأل نفسي سؤالًا مفيدًا: إذا كانت كلمة “ضحية” لا تمثلني، فما الكلمة التي أريد أن أحملها؟ بدأت أبحث عن كلمات بديلة مثل “بطل” و”ناجٍ”، لكن لم أجد ما أرغب فيه. ثم ظهرت لي كلمة “مُحافظ”، التي تعني الشخص المسؤول عن الاعتناء بما هو أكبر من ذاته.

أصبح الحماس لهذه الكلمة يتزايد في داخلي. تعلّمت أن المُحافظ هو من يهتم بما وُسِم له، ويتعامل مع التحديات بنية واضحة. لم تكن هذه الكلمة مضادة لكلمة “ضحية”، لكنها كانت علاجًا لحالتي.

بعد سنوات، لا زلت أعاني من صعوبة القيادة والانتقادات. لكنني أرى الأمور من منظور مختلف. قبل أسابيع، طلبت إحدى موظفيني القويات عقد اجتماع لمناقشة بعض الصعوبات. هجمت عليّ رغبة الدفاع عن نفسي، لكنني تذكّرت أنني مُحافظ. فالمُحافظ لا يخاف من النقد، بل يسعى للقيام بما هو أفضل.

تتحرك عمليتي من ضحية إلى مُحافظ بخطوات مضطربة، ولا زلت أشعر بعودة تلك اللافتة حول عنقي. لكنني أدركت أن الصعوبة التي أواجهها ليست عقوبة، بل دعوة لخدمة أكبر. لقد تغيرت علاقتي بما أمر به، وأصبحت أفكر في كيف يمكنني الاعتناء بحياتي بدلًا من البقاء مجرد ناجٍ.

بتلك الليلة في المقهى، قدم لي راي حقيقة غير مريحة، لكن أحيانًا نحتاج إلى مثل هذه الحقيقة من شخص يعرفنا جيدًا. الآن، أحاول أن أكون المُحافظ، شخص يعتني بما وُسِم له ويعيد توجيه أسئلته للحياة، مستجبًا لنداء خدمة أكبر. هذا هو من أطمح لأن أكون عليه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى