تنمية بشرية

التحول من إرضاء الآخرين إلى بناء الثقة بالنفس: كيفية العودة إلى الذات الحقيقية

قد يكون أحد أعظم امتيازات الحياة هو أن نصبح الذين نحن عليهم حقًا. يأتي غالبًا السؤال البسيط: إلى أين أريد أن أذهب لتناول الطعام؟ رغم بساطته إلا أن إجابته قد تكون معقدة. بدلاً من التركيز على اختياراتي، كنت أجد نفسي منشغلاً بالبحث عن الخيار الأكثر صوابًا، الأقل احتمالاً لإحداث توتر. رغم أن شريكي سألني عن رغباتي، إلّا أنني تعلمت أنه في بعض الأحيان يمكن أن يكون الإخلاص في الإجابة له عواقب غير مرغوب فيها، فقد يتم التشكيك في اختياري أو اعتباره موضوع جدل. على مدار الأمسيات، كنت أشعر بالتوتر والخوف من أن تسير الأمور بشكل خاطئ، لدرجة أنني أحياناً كنت أتجنب اتخاذ القرار بالكامل. كنت أواجه اتهامات بالملل أو انعدام الرأي.

لم أكن دائمًا بهذه الطريقة. حتى أوائل العشرينات من عمري، كنت معروفة بشخصيتي القوية وقدرتي على التعبير عن آرائي. جذبني شريكي بسبب ثقتي بنفسي، لكن مع مرور الوقت، أدت المشاجرات المتكررة والانتقادات إلى تآكل هذه الثقة. أصبحت قلقة، وأشعر دوماً بالشك في نفسي، وتركيزي انحصر في الحفاظ على السلام في المنزل، مما جعلني أتجاهل رغباتي الداخلية.

هذه الحالة من البحث عن رضا الآخرين انتقلت إلى حياتي المهنية. كنت أرى الآخرين أذكى وأكثر قدرةً، مما جعلني أفرط في التفكير في كل قرار، وأتجنب المخاطرة. في حياتي الشخصية، أصبحت علاقاتي من جانب واحد، حيث كنت أظن أن تعبير عن معارضتي سيتسبب في انهيارها. ومع مرور الوقت، قررت الابتعاد عن شريكي والعودة إلى مدينتي.

عند لم الشمل مع أصدقائي القدامى، أدركت التغيير الذي طرأ عليّ. فاجأهم تحوّلي للنسخة الأصغر من نفسي، مما أعاد لي الذاكرة عن من كنت سابقًا. رغم أن هذه الإدراك كان مؤلمًا، إلا أنه منحني الأمل. إذا كنت قد تعلمت أن أسأل نفسي “كيف أحافظ على السلام؟”، فإنه من الممكن تعلم سؤال آخر: “ماذا يشعر بأنه صحيح لي الآن؟”

لإعادة بناء الثقة بالنفس، يمكن استخدام الجسم كمؤشر. كان عليّ أن أتعلم كيفية الارتباط بجسدي، حيث كنت أشعر بتوتر في صدري عندما كنت على وشك الموافقة على شيء لم يكن يتناسب مع مشاعري الحقيقية. من خلال الانتباه للإشارات الجسدية، بدأت ألاحظ أنني لا يزال لدي رغبات وآراء، رغم أنه كان قد تم دفنها. لكن التعبير عنها كان تحديًا، لذلك بدأت ببطء، معتمدةً على أصدقائي المقربين كخطوة أولى.

عندما اجتمعت مع صديق قديم بدعوة لعشاء، أكدت على رغبتي في تناول الطعام الإيطالي، رغم أنه من الصعب عليّ مقاومة موقفي. خلال العشاء، كنت أراقب ردود فعلي الجسدية وأحاسيسي التي كانت تعكس قلقًا كبيرًا، حتى أنني وجدت صعوبة في الاستمتاع بالوقت.

بينما بدأت في تعزيز وعيي الذاتي، ظهرت صراعات جديدة. كنت قادرة على التفاوض بشأن رغباتي دون فقدان نفسي. على سبيل المثال، في حفل زفاف صديقتي، بعد قضاء وقت ممتع، شعرت بالإرهاق الاجتماعي وقررت عدم حضور العشاء. رغم أن بعض الأشخاص لم يتقبلوا قراري، فقد أدركت أن خيبة أمل الآخرين لا تعني أنني أخطأت.

إعادة بناء الثقة بالنفس لا تتطلب إعلانات جريئة، بل تتطلب لحظات صغيرة من التصرفات المدروسة. إذا كنت تشعر بأن رغباتك غائبة، فاعلم أن تلك الرغبات لم تختفِ، بل هي في انتظارك لتستعيدها من جديد. وكلما قمت بهذه الخطوات بصدق، تقترب أكثر من نفسك الحقيقية، وهو ما ينقلك من الرد من منطلق الخوف إلى أساس الثقة بالنفس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى