تجنب الانشغال بالهاتف لتستمتع برفقة الحضور مع من نحب

إن من أثمن الهدايا التي يمكن أن نقدمها لأحد هو اهتمامنا الحقيقي به. كانت جودي في الثالثة من عمرها عندما فاتني أحد تلك اللحظات. أمضت عشر دقائق في ترتيب وسائد الأريكة في غرفة المعيشة في فانكوفر، لصنع ما اعتبرت أنه منصة هبوط من الدرجة الأول. تسلقت على الأريكة، مدّت ذراعيها، وأطلقت نظرة تحمل الكثير من الحماسة. “بابا، انظر!” صاحت. كان هاتفي في يدي، وكأنه أصبح جزءًا مني. كنت أقرأ رسالة أو ربما شيئًا تافهًا، فقط إدمان نفسي على سحب الشاشة لتحديثها. لا أتذكر ما كان. بعد أربع دقائق، انمحى تمامًا، لأن تسعين بالمئة من الإشعارات تنتهي على هذا النحو: أشياء تؤدي لإحساس بالغ أهمية ثم تختفي.
“لحظة واحدة، حبيتي”، قلت لها، وأنا أواصل التمرير. قفزت، وسمعت الوسائد تتناثر على الأرض. وعندما نظرت، كانت قد غادرت بالفعل، تتجه نحو غرفتها، مش dragging دمية الفيل خلفها من أذنه. عدت إلى هاتفي. لم أدرك أهمية تلك اللحظة في حينها. الأطفال يقفزون عن الأثاث، والآباء يتحققون من هواتفهم، فلا أحد يسجل ذلك كشيء يمكن أن يندم عليه. لكن تلك كانت بداية نمط لم أدركه لسنوات؛ نمط من الغياب، وهو ما يصعب ملاحظته بينما يُشكّل.
على مدى عامين تاليين، استمرت طلباتها. “بابا، انظر إلى هذا.” “بابا، تعال وراقب.” “بابا، شاهدني.” كانت كل واحدة منها أكثر هدوءًا من السابقة. وكانت تلتقي بنسخة مني الموجودة فعليًا في الغرفة، لكنني كنت عالقًا في شاشة بحجم 6.1 بوصة. كنت أعمل كمدير فرق هندسية، وهويتي المهنية كانت تعتمد على الاستجابة الفورية، واستمرارية المحادثات، وعدم ترك رسالة بلا رد لعدة دقائق. كنت أفتخر بمدى سرعة تحولي بين المواضيع. لكن لم أدرك، ولم أستخف بمسؤولياتي كأب، أن جودي كانت تسجل تلك اللحظات.
ذات يوم سبت، وكانت جودي في الخامسة من عمرها، جلست إلى الطاولة في المطبخ مع أقلام التلوين وورقة كبيرة، وكانت تروي لي قصة عن كلب بنفسجي يعيش على قوس قزح وصديقه السحابة مارتن، وكيف أنهما مدعوان إلى حفلة عيد ميلاد على القمر، لكن الكلب كان متوترًا لأنه لم يسبق له الذهاب إلى الفضاء. كنت أقول “رائع” و”يا له من جميل” و”ماذا حدث بعد ذلك”، بينما كان هاتفي تحت الطاولة، أقرأ استفسارات عن مشكلة تقنية. توقفت جودي عن الحديث، ولم أدرك الصمت على الفور. مرت خمس عشرة ثانية، أو ربما عشرون، قبل أن أنظر لأعلى، لأجدها تحدق بي بنظرة محايدة، ليست غاضبة ولا متألمة، لكنها كانت تدرك شيئًا. كان ذلك هو الوجه الذي أسترجعه في ذاكرتي. نظرة محايدة تدل على أنها قامت بأرقامها، وأن أطفالنا ينتبهون حتى عندما نعتقد أنهم ليسوا كذلك.
كان عاملاً أساسياً في تجربتي. لم أكن وحدي وراء هذا التشتت. مع زوجتي، سارة، أجرينا العديد من المناقشات حول ما نريد أن يشعر به منزلنا. لم نتحدث فقط عن وقت الشاشة، بل عمّا نريد أن نتركه من فراغ لنعيش اللحظات معًا. بدأنا باتخاذ خطوات صغيرة، مثل وضع الهواتف في الدرج خلال العشاء، ثم أمام وقت النوم. لم نخبر جودي أننا نقلل من استخدام الشاشات، بل أخبرناها أننا نحاول أن نكون أكثر حضورًا. وبالفعل، لاحظت ذلك.
هذا التحول لم يكن مجرد إحصائيات عن وقت الشاشة، بل كان يتعلق ببناء عادات أسرية حقيقية. بدأنا نأخذ نزهات صباحية، ونتناول العشاء معًا، ونتبادل الأسئلة. استطاعت جودي أن تعيدنا لما كنا نريد أن نحظى به من تواصل.
اليوم، جودي في الثانية عشرة من عمرها، ذكية ومضحكة، وتجربتها مع البرمجة تجعلني أشعر بالفخر والخوف من ما ستكون قادرة على فعله في المستقبل. لم تعد تقول “بابا، انظر” كما كانت، بل تجلس بجواري وتشارك ما تعمل عليه. حين تتطلع إلى ردة فعلي، أكون أنظر إليها بالفعل. لم أتحول إلى إنسان مثالي وموجود بالكامل، بل أعي الآن الموقف وأختار اللحظة. إذا شعرت بالمثل أو كان لديك هذا الإحساس الضيق، أقول لك: لم يعد الوقت متأخرًا. لن يمكنك إعادة تلك اللحظات، ولكنك تستطيع أن تبدأ الآن. اترك هاتفك جانبًا وأعد نظرك للذين تحبهم، وانظر إليهم بعمق.



