أنماط البقاء الخفية التي كنت أعتبرها ضعفًا

نشأت في بيت شعبي في السبعينيات، في زمن كان يُنظر فيه إلى الأطفال على أنهم موجودون فقط دون أن يُسمع لهم صوت. كنا نُطرد من البيت في الصباح ونُطلب منا العودة عند ظهور أضواء الشوارع. كان كل شيء يبدو عاديًا من الخارج، لكن ما كان يحدث خلف الأبواب المغلقة لم يكن طبيعيًا على الإطلاق. لم يكن لدي الكلمة المناسبة حينها، لكنني شعرت دائمًا بأنني مختلف. اعتقد الناس أنني خجول، وبالفعل كنت كذلك، لكن الأمر كان أكبر من ذلك. كان التواجد بين الآخرين يسبب لي شعورًا بالزخم والخوف، كأنني أعيش في حالة من الترقب المستمر لشيء لا يمكنني تسميته. لم أشعر بالأمان، حتى عندما لم يكن هناك ما يستدعي القلق.
عندما كنت في السادسة، انفصل والدَي. غادرت أمي لتبدأ حياة جديدة مع شقيقتي، بينما بقيت مع والدي. لم أفهم كل شيء في ذلك الوقت، لكنني شعرت أن كل شيء قد تغير بين ليلة وضحاها. قبل مغادرتها، قال لي والدي إنني إذا ذهبت مع أمي، سيلجأ إلى الانتحار. صدقته ولم أشكك في أقواله، بل آمنت بها كحقيقة. لذلك, بقيت، مثقلة بعبء لا ينبغي على طفل أن يتحمله: الاعتقاد بأن حياة شخص ما تعتمد على وجودي.
نظرتي لحياتي بدأت تتشكل من هنا. كان والدي متألمًا بشكل عميق بسبب الطلاق، وكان يشرب بكثرة ولا يعمل لمدد طويلة. لم أستطع فهم معاناته آنذاك، لكنني شهدت انعكاس ذلك في تصرفاته. تحولت إلى هدف واضح لغضبه، وأصبح من الشائع أن أتعرض للضرب إذا تأخرت بضع دقائق عن العودة إلى المنزل. لم يكن هذا عابرًا، بل أصبح نمط حياة، نمط اعتادته حتى دون أن أفهم السبب.
تطور كل شيء بشكل مختلف حينما نشأت. كنت دائمًا في حالة من اليقظة والحذر، دائمًا أسعى لتحقيق الكمال، حتى أنني شعرت باستمرار أنني لا أنجح في ذلك. لم يكن والدي رجلًا سيئًا بالمعنى الحقيقي، لكن لم يكن بإمكانه أن يكون الأب الذي كنت بحاجة إليه. كانت حياته تفتقر إلى الدفء والطمأنينة، وهو ما جعلني أشعر بالعزلة. لم يكن مسموحًا لي بالجلوس في غرفة المعيشة، بل قضيت معظم الوقت في غرفتي، أنظر إلى الخارج متخيلًا حياة أخرى. كبرت في محيط يشعر فيه أصدقائي بجوانب حيوية لم أتمكن من الاندماج فيها. ومع ذلك، كانت تلك اللحظات الليلية تأتي ليحضر فيها خوفي بشكل غير مفهوم. عانيت من مشاكل في السرير حتى بلغت الثانية عشرة.
حين بلغت الحادية عشرة، وجدت أول مفر لي في مواد غير قانونية. كنت أستولي على عبوات الوقود من متجر محلي وأدخنها. شعرت للمرة الأولى أني قادر على مغادرة عقلي. الأمر لم يتوقف عند ذلك، بل انتقلت إلى مواد أخرى مثل الغراء والبنزين، ثم إلى المخدرات حين كنت في الرابعة عشرة. لم يكن الهدف من ذلك هو الحصول على السعادة، بل الهروب مما كنت أعاني منه. أصبحت هذه العادات جزءًا من حياتي على مدار خمسة وعشرين عامًا.
لكن في هذه الفوضى، وجدت شيئًا لم أشعر به من قبل: الانتماء. صرت جزءًا من جماعة ممن كنت أستخدم معهم المواد المخدرة، وفي ذلك جو من الفوضى شعرت بأنني مُفهَم ومرحب به. ولكن عندما بدأ العقار المسمى “إكستاسي” بالانتشار في أواخر الثمانينات، تغير كل شيء. شعرت لأول مرة بشيء أشبه بالحب والترابط.
ومع ذلك، أدركت أن تلك التجارب لم تكن حقيقية، بل كانت مجرد أكاذيب كيميائية. بدأت أستشعر أن هناك شيئًا يجب أن يتحرك في حياتي، شيئًا آخر يمكن أن يكون.
استغرق الأمر وقتًا وطريقًا طويلًا قبل أن تبدأ الأمور في التغير، ولكن عندما بدأت في الاستماع إلى نفسي وعدم الهروب من مخاوفي، تغيرت الحياة. كانت مغادرتي لتلك البيئة من أصعب القرارات التي اتخذتها في حياتي. لكن فهمت شيئًا مُذهلاً، وهو أن خروجي من تلك الصور النمطية التي اعتقدت أنها تشكل هويتي لم تكن تعني أنني مكسور، بل كنت أعيش في بيئة غير آمنة.
اليوم، وأنا في السادسة والخمسين، أصبحت حياتي مختلفة تمامًا. أعيش في الطرف الآخر من العالم ولدي أسرة لم أتوقع أن أحصل عليها، بل بنيت شيئًا ذا معنى من تجارب اعتقدت أنها ستؤلمني. لكن الأهم من ذلك، أشعر بشعور من الأمان النفسي.
ما تعلمته هو أن ما يبدو كـ “كسر” في الشخص هو في الحقيقة طريقة للتكيف. الأماكن التي نجت بها هي نتاج للبقاء وليس شيئًا نكون خجلين منه. قصتي هي قصة نجاح، ولكن ليس بسبب أن الأمور قد سارت وفق المخطط، بل لأني الآن أستطيع رؤية الطريق. إذا كنت تعاني من الشعور بعدم وجود مخرج، اعلم أنه هناك، وأن الحياة يمكن أن تتحسن عندما تبدأ بالتعاطف مع نفسك وتخطو خطوات صغيرة نحو التغيير.



